حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
تكريم الإنسان
 
س » كيف نفهم الروايات التي تميز بين ذرية النبي (ص) وغيرهم من المسلمين؟
ج »
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ما يسعني في هذه العجالة أن أقوله: إن هذا الأمر لا ينطلق من وجود تمييز تكويني أو تشريعي لذرية النبي (ص) بحيث يقتضي ذلك تغايراً في تكليفهم عن تكليف الناس، فهم في خصائصهم يتساوون مع الآخرين كما أن الشريعة ساوت بينهم وبين الآخرين؛ وقد أوضحنا ذلك في بحث: "ذرية الرسول (ص) – الخيط الرفيع بين المحبة والطبقية" من كتاب "تحت المجهر".
وأما ما أشرتم إليه بوجود بعض الروايات التي تنص على مضاعفة الثواب في حال الطاعة ومضاعفة العقاب في حال المعصية. فهذا نظير ما جاء في القرآن الكريم في نساء النبي:
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (الأحزاب: 30-31)
ومضاعفة العقاب منطلقة من أن الإساءة منهم تجر السمعة السيئة إلى رسول الله (ص) أو تثير الريبة أو تجرّئ الآخرين على استسهال المعصية لأنه إذا كانت ذرية النبي (ص) غير مبالية فما لنا نحن نكون ملكيين أكثر من الملك.
أما مضاعفة الثواب، فهي لأنهم يجرون السمعة الحسنة والذكر الطيب لرسول الله (ص)، وقد ورد عن الأئمة من أهل البيت (ع) تعميم هذا المعنى إلى شيعتهم، فقد ورد:  "إن الحسن من كل أحد حسن و إنه منك أحسن لمكانك منا ، و إن القبيح من كل أحد قبيح وهو منك أقبح لمكانك منا"

 
س » كيف نفسر الروايات التي تدعونا إلى اعتزال الناس؟
ج »

المستفاد من مجموع النصوص القرآنية والروائية كراهية الاعتزال والابتعاد عن الناس – من حيث المبدأ – لأن الإنسان بحاجة للناس وهم بحاجة إليه. ويزداد حرص الإسلام على هذه العلاقة الاجتماعية التواصولية عندما تكون ذات غرض دعوي رسالي أو فيها صلة أرحام.

وبالاعتبار عينه، أي الاعتبار الرسالي، قد يدعونا الإسلام إلى التقليل من التواصل مع الآخرين، إما كموقف احتجاجي إنكاراً لمنكر هم عليه، أو لأن العلاقة معهم قد تؤدي إلى تأثر الإنسان بأخلاقهم السيئة بدل أن يؤثر هو فيهم.

ومن هنا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يدقق في اختيار أصدقائه وخلّانه بحيث يكونون من أهل الصلاح والخير لأن الصديق الطيّب هو  كالطيب إذا مرّ به الإنسان حمل منه طيباً، والصديق السيئ كالريح النتن إذا مرّ به الإنسان حمل منه نتناً كما جاء في بعض الأخبار، والله الموفق.

 


 
س » ابني المراهق يعاني من التشتت، وأنا جدا قلق ولا اعرف التصرف معه، ما هي نصيحتكم؟
ج »

التشتت في الانتباه في سن المراهقة مع ما يرافقه من الصعوبات هو في حدود معينة أمر طبيعي وظاهرة تصيب الكثير من المراهقين ولا سيما في عصرنا هذا.

وعلينا التعامل مع هذه المرحلة بدقة متناهية من الاستيعاب والتفهم والإرشاد والتوجيه وتفهم سن المراهق، وأن هذه المرحلة تحتاج إلى أسلوب مختلف عما سبقها.

فالمراهق ينمو لديه الإحساس بالذات كثيرا حتى ليخيل إليه أنه لم يعد بحاجة إلى الاحتضان والرعاية من قِبل والديه.

وبالتالي علينا أن نتعامل معه بأسلوب المصادقة "صادقه سبعا.." والتنبه جيدا للمؤثرات التي تسهم في التأثير على شخصيته واستقامته وتدينه، ومن هذه المؤثرات: الأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن نصيبها ودورها في التأثير على المراهق هو أشد وأعلى من دورنا.

وفي كل هذه المرحلة علينا أن نتحلى بالصبر والأناة والتحمل، وأن نبتدع أسلوب الحوار والموعظة الحسنة والتدرج في العمل التربوي والرسالي.

نسأل الله أن يوفقكم وأن يقر أعينكم بولدكم وأن يفتح له سبيل الهداية. والله الموفق.


 
 
  مقالات >> فقهية
نظرة تأملية في الروايات الطبية
الشيخ حسين الخشن



 

يضم تراثنا الإسلامي مجموعة وفيرة من الروايات الواردة عن النبي (ص) و الأئمة من أهل البيت(ص), تتحدث عن خصائص الأدوية و العقاقير, وكيفية التداوي بالأعشاب و غيرها, و بيان منافعها ومضارها.

 

وألّفت في هذا الصّدد مصنّفات عديدة مثل كتاب طبّ الأئمّة لإبن بسطام, و طب الإمام  الرّضا (ع) المعروف بالرسالة الذّهبيّة, وطبّ الإمام الصّادق(ع) (راجع الذريعة:15\141 ), و كذا الطّب النبويّ لإبن القيم الجوزية, إلى غير ذلك من العناوين و الأسماء التي كثر تداولها مؤخرا,وراج سوقها, كتابة و طباعة, و قراءة.

 

تقييم عام للروايات الطبية:

 

و في تقييم عام  وأوّلي لتراثنا الطبي ,يمكن القول : أن بعضه يندرج ويصنّف في دائرة النصائح الطبية و الصحية العامة, مما أثبتت التجربة صحتها, و أكّدها أهل الإختصاص,من قبيل ما ورد عن رسول الله (ص) "المعدة بيت كل دواء و الحمية رأس كل دواء"(عوالي اللالي:2\30 ومجمع البيان:4\244 ),و رويت عن علي (ع) (طب الأئمة (ع) ص:6 ),و قيل أنها من حكم الحرث بن كلدة ,طبيب العرب المشهور(كشف الخفاء للعجلوني:2\214 ),و كذا ما ورد عنه (ص)"صوموا تصحوا "(كنز العمال:450\8 , بحار الأنوار:59\267 ),أو ما ورد عن علي (ع) من كلامه لإبنه الحسن (ع):"يا بني ألا أعلّمك أربع خصال تستغني بها عن الطب؟فقال: بلى يا أمير المؤمنين(ع),قال : لا تجلس على الطعام إلا و أنت جائع ,ولا تقم عن الطعام إلا و أنت تشتهيه,و جوّد المضغ, و إذا نمت فاعرض نفسك على الخلاء..."(الخصال,ص:229 ),إلى غير ذلك من الوصايا ذات الطابع الوقائي.

 

و أمّا الروايات التفصيلية ذات الطابع العلاجي وهي تبلغ المئات, و ربما لامست حدود الألف (و يكفيك أن الحرّ العاملي أورد في كتابه الفصول المهمة في أصول الأئمة أربعمائة واثنين وثلاثين(432) حديثا من طرق الشيعة وحدهم,موزعة على 141 بابا) , فهي بحاجة إلى دراسة توثيقية موضوعية تحليلية, بهدف غربلتها, ووضعها في نصابها الصحيح.

 

بين مشرحتي علم الطب وعلم الرجال:

 

و أول خطوة على هذا الصعيد هي عرضها على مشرحة علم الرجال ,لتقييم أسانيدها ومعرفة ما يصح منها وما لا يصح,و هكذا دراسة لم تحصل لحد الان,رغم أنها ضرورية خاصة بملاحظة حصول الوضع و الكذب في الروايات الطبية,كما سيأتي,لكن الشائع عند العلماء عدم الإهتمام بأسانيد هذه الروايات,و امثالها مما لا ربط له بالحكم الشرعي,وفقا لقاعدة التسامح في أدلة السنن,يقول العلامة المجلسي وهو يقيّم مصادر كتابه بحار الأنوار ,تعليقا على كتاب طب الائمة:

 

"انه ليس في درجة سائر الكتب لجهالة مؤلفه ولا يضر ذلك,إذ قليل منه يتعلق بالاحكام الفرعية,وفي الادوية و الادعية لا نحتاج الى الاسانيد القوية"(بحار الانوار:1\30)

 

لكن الملاحظة التي يمكن تسجيلها هنا :أن قاعدة التسامح المذكورة غير ثابتة,بل ثبت وهنها في علم الأصول,هذا من جهة,ومن جهة أخرى فإن الروايات الطبية و إن لم ترتبط بالعمل و السلوك ,لكنها ترتبط بصحة الانسان ,مما لا يصح التساهل فيها و تعريضها للمخاطر ,فلا يسوغ وضع الأحاديث العلاجية- قبل توثيقها – في متناول عامة الناس, كوصفات و إرشادات طبية ,خوفا من اثارها السلبية المحتملة.

 

ثم إن دراسة السند في المقام لا تكفي, بل لا بدّ أن تتبعها خطوة أخرى , تعمل على دراسة المضمون أيضا, لأن التعبد لا معنى له في الروايات الطبية,وربما كان الأسلوب الأجدى في دراسة المضمون , هو عرضه على مشرحة علم الطب, استنادا الى الحقائق و المعطيات الطبية الثابتة,فإن المعصوم لا يتكلم بما يخالف الحقائق التكوينية,لأنه يصدر عن نبع صافية,ولعل من الأحاديث المخالفة للمعطيات العلمية اليقينية:ما رواه أبو هريرة عن رسول الله(ص):"إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ,فإن في أحد جناحيه داء وفي الاخر شفاء"(صحيح البخاري:4\99 وراجع ما ذكره الشيخ محمود أبو رية في كتابه "شيخ المضيرة أبو هريرة"ص:250 نقلا عن الاطباء في هذا الصدد).

 

ومما يخالف المعطيات الطبية الثابتة و اليقينية :ما ورد في بعض الأحاديث من نفي العدوى وتأثيرها ,فقد روي عنه (ص):"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة..."(راجع على سبيل المثال صحيح البخاري 7\17 وما بعدها والكافي :8\169),فهذا الخبر و امثاله إن لم يتم توجيهه وحمله على بعض المحامل ,فلا بد من التوقف بشأنه وردّ علمه الى أهله,لمنافاته لما هو محسوس و بديهي في علم الطب من واقعية العدوى ,ولذا يتم الحجر الصحي على المصاب بالامراض المعدية, كما انه يتنافى مع ما ورد عن النبي (ص) ممّا يؤكد واقعية العدوى ,كقوله (ص):"فرّ من المجذوم فرارك من الاسد"(كنز العمال:1\56),أو قوله لاصحاب الإبل :"لا يورد ممرض (أي ذو عاهة) على مصح"(صحيح مسلم:7\31), وقد تعرضت لهذا الأمر في كتاب "الإسلام و البيئة" فليراجع.

 

النطاق الزمني للروايات:

 

 و الخطوة الثالثة في المقام بعد دراسة السند و المتن,هي ملاحظة مدى الإطلاق في هذه الروايات , وصلاحيتها لاعطاء قاعدة عامة لكل الاشخاص ولمختلف الأمكنة و الازمنة, وقد تنبه الشيخ الصدوق لهذا الأمر , وتحدث في كلام له عن تعرض التراث الطبي للوضع والدس, وأن بعضه وارد في  نطاق محدود ولا يشكل قاعدة عامة, قال رحمة الله في كلام هام يعكس قدم الاشكالية في التراث الطبي:

 

"اعتقادنا في الاخبار الواردة في الطب أنها على وجوه:

 

منها: ما قيل على هواء مكة و المدينة, فلا يجوز استعماله في سائر الأهوية, ومنها: ما أخبر به العالم (ع) على ما عرف من طبع السائل , ولم يتعد موضعه , اذ كان أعرف بطبعه منه, ومنها: ما دلّسه المخالفون في الكتب, لتقبيح صورة المذهب عند الناس,ومنها : ما وقع فيه سهو من ناقله, ومنها : ما حفظ بعضه ونسي بعضه..."(مصنفات الشيخ المفيد:115\5).

 

ولم يسع المفيد في تصحيح الاعتقاد, وعلى خلاف عادته الا موافقة الصدوق فيما قاله , وان اضاف اليه اضافة هي محل اشكال , كما سيأتي.

 

الوحي و الطب:

 

و أعتقد أن القضية لا تنتهي عند ما قدمناه,بل نرى ضرورة مقاربتها من زاوية أخرى, هي الأهم في المقام, وهي تحتاج الى دراسة ومتابعة, وحاصلها: ان ما هي علاقة النبي (ص) كمعصوم بالطب,فهل أن ما يصدر عنه في هذا المجال –إن ثبت صدوره- يعتبر وحيا إلهيا ينطبق عليه قوله تعالى:{إن هو الا وحي يوحى} أم ان سبيله هو سبيل الخبرة المكتسبة من تجارب الحياة؟

 

و الاجابة على ذلك تقودنا الى الحقل العقائدي الكلامي,لمعرفة أنّه هل يشترط في النبي(ص) أن يكون عارفا بكل العلوم و الصناعات واللغات,مما لا تمت الى الدين بصلة, أم أنه لا يشترط ذلك؟

 

فإذا بنينا على أن المعرفة بذلك هي شرط في النبوّة, فمن الطبيعي أن نلتزم في المقام بأن معرفته(ص) الطبية تنطلق من خلال وحي الله, وتعليمه له , مما لا مجال معه للخطأ و الإشتباه.

 

و أما إذا أخذنا بالرأي الاخر الأقرب الى الصواب, و القائل: بأنه ليس من شرط النبوة , المعرفة بذلك و الاطلاع عليه, كما اختاره جمع من الأعلام, أمثال المفيد و المرتضى و السيد محسن الأمين قدس الله أسرارهم ( نقلنا بعض كلمات هؤلاء الأعلام في كتاب "الشريعة تواكب الحياة" ص:103 فليراجع ) فعند ذلك ينفتح باب الاحتمال في أن يكون ما صدر عنه في الطب ونحوه , منطلقا من موقع الخبرة التي اكتسبها (ص) من تجارب الامم الواصلة اليه, مضافا الى تجربته الخاصة , ومعه تغدو الروايات الطبية حتى على فرض صحتها خاضعة للسياق التاريخي و الظرف الزمني الصادرة فيه, فهي تراث طبي, انطلق من ثقافة ذلك المجتمع وخبراته المتراكمة, التي أضحت ثقافة متواضعة, بالقياس الى الثورة العلمية الكبيرة على المستوى الطبي مما توصل اليه الانسان في القرن الاخير, وقد عرضنا لهذا الموضوع في كتاب الشريعة تواكب الحياة, وسجلنا على القول بالخبرة بعض الملاحظات, القابلة للتأمل.

 








 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon