"فقه العلاقة مع الآخر المذهبي" تحت الضوء: قراءة ولمحة سريعة عن الكتاب    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    تنزيه زوجات الأنبياء(ع) على ضوء الروايات    الإنسان والماء: معادلة الحياة والموت    كيف نفهم حديث: علي أمير النحل؟    
 
بحث
 
طوبى للزاهدين
 
س » سلام عليكم، أنا مسلم سني، وسؤالي لكم: لماذا لا يهتم علماء الشيعة بأسانيد الأحاديث عندما يتكلمون، وأليست الكتب الأربعة المعروفة عندكم صحيحة كلها؟
ج »
 
أولاً: إن ما تعودت عليه من معرفة حال السند قبل الأخذ بالرواية هو شيء جميل وطيب، وللشيعة بطبيعة الحال طرقهم في التوثيق والتضعيف، وقد وضعت في هذا الإطار الكثير من الدراسات والكتب، وما استقر عليه مسارهم في الاستنباط الفقهي والأصولي فضلاً عن المجال العقدي هو التشدد في الأسانيد، ولا يقبلون بالأخبار الضعيقة، وهذا أمر يعرفه كل من يراجع كتبهم الاستنباطية. وأما في مجال الوعظ والتبليغ فإنهم يتسامحون في الأسانيد استناداً إلى قاعدة معروفة عندهم وعند بعض علماء السنة، من أنه لا ضرورة في التشدد السندي في فضائل الأعمال والمثوبات، ( بصرف النظر عن رأينا فيها )، ولذلك قد تخلو الكثير من المقالات أو المحاضرات الإرشادية من الإشارة إلى حال الأسانيد صحة وضعفاً، اعتماداً على أن مضامين هذه الأحاديث موافقة للكتاب الكريم فيكون ذكرها للتأييد والاستشهاد لا للاستدلال.
 
ثانياً: لا شك أن الكتب الأربعة هي عمدة المصادر الحديثية عند الإمامية، لكن هذه الكتب ليست صحاحاً كما في صحاح أهل السنة. وقد وضع الكثير من العلماء تأليفات خاصة لتمييز الصحيح من الضعيف في الكتب الأربعة أو غيرها من قبيل "مرآة العقول للمجلسي" والذي يدرس أسانيد كتاب الكافي ويبين حالها...
لكن تجدر الإشارة إلى أنه ومع وجود قدر كبير من الاتفاق على معايير الجرح والتعديل فإنّه تبقى ثمة مساحة يختلف فيها القوم في توثيق أو تضعيف بعض الرجال أو توثيق بعض الكتب أو تضعيفها، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء دائرة من الأخبار مختلف في صحتها وضعفها، وهذا أمر طبيعي وموجود لدى السنة أيضاً.
هذا وقد ألف أحد الأعلام المعاصرين وهو الشيخ آصف المحسني رحمه الله كتاباً بعنوان "الأحاديث المعتبرة" ما يزيد على عشر مجلدات، ويمكن الاستفادة منه ومن سائر مؤلفات هذا الشيخ في هذا المجال ومنها كتاب "الأحاديث المعتبرة في بحار الأنوار" الذي أُلف على ضوء نظرياته الرجالية. كما وتوجد برامج الكترونية تحدد الصحيح من الضعيف في كتب الحديث، من قبيل برنامج نور الأحاديث.
ثالثاً: عندما يأتي في السند عبارة "غير واحد" فهذا في نظر المشهور يدل على الإرسال، لكن البعض يرى أن هذا التعبير يدل على كثرتهم ما قد يسمح بحصول الوثوق بعدم كذبهم فيما رووه أو حدثوا به.

 
 
  نشاطات >> عامة
برنامج "أ ل م" على قناة الميادين - الإسلام ومحاربة الظلم
الشيخ حسين الخشن



رابط الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=fpGCWU2zxNI&feature=youtu.be


الإسلام ومحاربة الظلم

ما هو دور العلماء و الناس في هذا السياق؟ حيث تحولت محاربة الظلم إلى ظلم أكبر بالتعدي على حقوق الآخرين وتدمير ممتلكاتهم، أليس الظلم في تعريفه الإصطلاحي هو: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو أيضًا عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل

المحور الأول:

تعريف الظلم في الإسلام كتابا وسنة وحرمة الظلم في الإسلام و قبحه الكبير

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

قال الله تعالى في محكم التنزيل وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ"، في سورة إبراهيم، وعن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما روى عن الله تبارك وتعالى إنه قال "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا"، وفي الحديث أيضًا "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وأفظع الظلم ظلم العباد لبعضهم البعض، ظلم الحاكم لرعيته، ظلم الزوج لزوجته وأبنائه، ظلم رب العمل لعماله، ظلم المسؤول لمن يتحكم في مصائرهم وهكذا دواليك. أما والله إن الظلم لؤمٌ ومازال المسيء هو الظلوم، إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم، ستعلم في الحساب إذا التقينا غدًا عند الإله من الملوم.

والظلم من الكبائر العظيمة التي تجلب غضب الربّ سبحانه وتعالى ويسلط الله على الظالم كلّ أنواع العذاب والظلم يخرّب البلاد والعباد، وهو السبب في انهيار الدول وكساد الصناعة والزراعة وظهور البلاء وارتفاع البركة، كما أنّ الظالم يُحرَم شفاعة رسول الله يوم القيامة بجميع أنواعها، والظلم من المعاصي التي تعجَّل عقوبتها في الدنيا، فهو متعدّ للغير وكيف تقوم للظالم قائمة إذا ارتفعت أكفّ الذراعة من المظلوم فقال عز وجل "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".

فكيف حارب الإسلام هذه الكبيرة، الظلم؟ وما هي الأدوات الشرعية التي ننهي بها الظلم؟ وهل ما يحدث اليوم في العالم العربي من حراكٍ وثورات يقع في سياق الثورة على الظلم أم أنّ الإسلام في بعده المقاصدي جعل درء المفسدة أولى من جلب المصلحة؟ وهناك حقيقة يجب أن أشير إليها هي أنّ المكتبة الإسلامية والعقل الإسلامي لم ينتج مؤلفات وموسوعات عن كيفية محاربة الظلم، وأنا أتحدّى أيّ باحث يعطيني عنوانًا عن الظلم وكيف نحاربه، وما هو دور العلماء والناس في هذا السياق. ولعلّ ترك باب الاجتهاد في هذا الأمر هو الذي أدخل العالم الإسلامي في فوضى عارمة حيث اختلط الحابل بالنابل، فتحولت محاربة الظلم إلى ظلمٍ أكبر بالتعدّي على حقوق الآخرين وتدمير ممتلكاتهم. أليس الظلم في تعريفه الاصطلاحي هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو أيضًا عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل؟

الإسلام ومحاربة الظلم عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش المفكر الإسلامي الشيخ حسين الخشن، ومن مصر الدكتور محمد مسعد ياقوت الباحث في الشؤون الإسلامية ومدير مركز ميتادريم للاستشارات والأبحاث الإسلامية، ومن تونس الحبيبة رئيس الجامعة الزيتونية الدكتور عبد الجليل سالم. مشاهدينا مرحبًا بكم جميعا.

شيخنا العزيز مفكرنا الإسلامي حسين الخشن، الظلم ظلمات يوم القيامة، لا شكّ في ذلك، ولعلّ واحدة من أهم الإنهيارات الكبرى في العالم الإسلامي، الظلم الذي صار عنواناً وليس المقصود فقط الظلم السياسي، هناك ظلم اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، تنموي وما إلى ذلك. لكن كمدخل إلى البحث، ما هو الظلم في الإصطلاح اللغوي والشرعي؟

 

الشيخ حسين الخشن: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين رسول العدالة للإنسانية جمعاء سيّدنا محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

لا أخالني بحاجةٍ إلى أن أتناول مفهوم الظلم من الزاوية اللغوية حتى لا ندخل في بعض المتاهات التي تدخلنا فيها قواميس اللغة ومعاجمها، لأننا في ما أعتقد أمام مفهومٍ لا يحتاج إلى شرحٍ كثير، وقد قيل من أوضح الواضحات، من أصعب الصعاب توضيح الواضحات. الظلم أن تسلب الآخر حقه، أن تسلب الآخر حقه في أن يعيش بكرامة، أن تسلب الآخر حقه في الأمن، أن تسلب الآخر حقه في الغذاء، أن تسلب الآخر حقه في الصحة، أن تسلب الآخر إنسانيته، عندما تتجاوز على الآخر بشيءٍ من ذلك فأنت ظالم.

وغريبة هي قصة هذا الإنسان مع الظلم. كانا اثنين على وجه البسيطة فطوّعت لأحدهما نفسه قتل أخيه فقتله، كانت الدنيا برحابتها وبسعتها أمام ابنَي آدم ومع ذلك سوّلت لأحدهما نفسه أن يقتل أخاه فقتله وظلمه، وكان موقف الآخر "لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ".

هل الظلم أمر فطري فينا؟ أجيب ومع العذر من بعض علماء النفس الذين يقولون أنّ بعض الناس هم مجرمون بالفطرة، ومع العذر من المتنبي الذي يقول "وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ, ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ"، أبدًا، الله لا يخلق الإنسان ظالمًا ولا مجرما، بل الإنسان يختار الظلم بالإرادة، بسوء الاختيار. إنها التربية، إنها البيئة. إنّ المجتمع الظالم لا ينتج إلا الظالمين وإن المجتمع المستبد لا ينتج إلا المستبدين وإنّ المجتمع المتخلف والذي يعتدي فيه القوي على الضعيف لن يكون مجتمعًا يمارس العدالة ويحقق غرض الأنبياء ومقاصدهم.

 

يحيى أبو زكريا: إذا ثلاث نقاط أستنبطها من كلامك على طريقة المستنبطين. الأولى أنّ الظلم متأصّل في حركة تاريخ الإنسان وبدأ مع قابيل وهابيل، ثانيًا أنّ الظلم يتلقى ولا يولد مع الإنسان بمعنى أنّ الظلم ليس من المكوّنات الذاتية للإنسان، ربما هو من المكونات الملية التي تكتسب مع مرور الأيام، ثالثا أنّ الظلم يحتاج إلى بيئة فالمجتمع الظالم يهيئ لحكام ظالمين، المجتمع السارق يهيئ لسارقين، وهكذا دواليك.

دكتور عبد الجليل من تونس، سمعت إلى هذه النقاط الثلاث. هل تصلح كمنطلق لبحثنا حول الظلم الذي أقول للأسف الشديد لم يُبحَث في تاريخ فكرنا الإسلامي؟ نعم، عندما تلج إلى كتب الفقه والأصول والتفسير، هنالك أبواب عن الظلم، ظلم الحاكم، ظلم الفقيه، ظلم الوالي، لكن ككتب، كموسوعات تتحدث عن الظلم بحذافيره وتبيّن للأمة آلية التعاطي مع الظلم، أنا أجزم لا يوجد أيّ كتابٍ من هذا القبيل اللهمّ إلا كتب وضعها مفكرون على طريقة كتاب "العدالة الاجتماعية" لسيد قطب أو كتاب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي، فهي كتب لا تستطيع أن تقول أنها تؤصل لمسائل شرعية في محاربة الظلم. ما هو رأيك دكتور عبد الجليل؟

 

عبد الجليل سالم: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

بادئ ذي بدء أحيّي مشاهدي قناة الميادين، وأشكر الإخوة، أحيّي الإخوة المشاركين في هذا البرنامج.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

عبد الجليل سالم: حيّاكم الله. صحيح أنا انطلقت ممّا منطلق منه الأستاذ من مصر، الشيخ أحييه.

 

يحيى أبو زكريا: من لبنان هو، من بيروت.

 

عبد الجليل سالم: من لبنان، نعم، هو الظلم من البداهة بحيث نحن الآن لسنا في حاجةٍ إلى تعريفه لغويًا وإصطلاحًا. الظلم نشعر به بفطرتنا، الإنسان المفطور والمجبول على الفطرة السليمة يرفض أيّ ظلم يقع عليه. وأنت تعرّضت إلى قضية كبيرة في الحقيقة في الثقافة الإسلامية وفي العقل الإسلامي أنّ المسلمين تاريخيًا لم يكتبوا في الظلم كما كتبوا في العبادات أو في أبواب المعاملات، طبعًا لأنّ هذا الموضوع مستحدث ولكن القرآن الكريم، روح القرآن ومقصد القرآن هو أن يحقق العدل، أن يحقق العدل وأن يحقق الحق، والله سبحانه وتعالى علّمنا في القرآن أن هذا الكون مبنيٌ كلٌ بالميزان، كلٌ " الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، كلّ شيءٍ بحسبان، كلّ شيءٍ بميزان، وما تعدى الحسبان وما تعدى الميزان هو الظلم.

دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كان يدعو للتوحيد وهو من الظلم ألا تعبد الله سبحانه وتعالى، علماً بأنّ أول قضية في القرآن وسمّى الشرك ظلمًا، "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"، هذا ظلم فيه تعدّ على أخص خصائص الله سبحانه وتعالى، وهو توحيده سبحانه وتعالى، توحيد ذاته وصفاته وأفعاله، فالشرك هو ظلمٌ بالأساس. ولكن من ناحية ثانية في فترة مكة النبي صلى الله عليه وسلم كان بقدر ما كان يعالج قضية الظلم بمعناه التوحيدي، كان يعالج كذلك ظلم المستضعفين وكان يقف مع المستضعفين، كان يدافع عن المستضعفين وينصف المستضعفين بغضّ النظر عن عقيدتهم، وهذه مسألة غفل عنها الفكر الإسلامي. النبي صلى الله عليه وسلم كان يدافع عن مشركي قريش لأنهم كانوا من المستضعفين، هذه مسألة أساسية، وكان يدعو إلى إطعام المساكين وإنصاف المحرومين والمستضعفين. هذه دعوة الإسلام في جوهرها، هي ضدّ الظلم ورافضة للظلم ولذلك دعوته لم يستجب إليها إلا المستضعفون في بادئ الأمر، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عُيّر بأن هذه الدعوة لم يتبعها إلا المستضعفون، وهذه نقطة أساسية في الإسلام.

النقطة الثانية التي تعرّضت لها أستاذنا وهي أنّ الفكر الإسلامي لم يكتب ولم ينظر للظلم، ما هو الظلم وما هي آليات رفع الظلم، هذا الموضوع الذي يمكن أن نتبسط فيه وأن نتوسع فيه. نحن الآن بوعي حديث، نحن ننظر للقرآن الكريم ونقرأ الواقع الإسلامي ونقرأ النصوص بوعينا الحديث أننا رافضون للظلم الاجتماعي، رافضون للظلم السياسي، رافضون للظلم الثقافي، للظلم الحضاري العام، فكيف يمكن أن نقدّم نحن للبشرية مشروعاً متكاملا أو مشروعًا فيه يلقى الإنسان حريته ويلقى فيه كرامته وتكون له مكانته في التاريخ؟

هذا الإشكال الذي نحن الآن نطالب المفكرين الإسلاميين ونطالب العلماء المسلمين أن ينظروا للقرآن من جديد بنظرةٍ جديدةٍ في عصرٍ هو عصرٌ بُني على الظلم في نفسه، عصر الاستعمار وعصر الهيمنة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل بالتأكيد سوف نفصّل في كل هذه التفاصيل محاولين من خلال برنامج أ ل م أن نضع مسارات لآليات محاربة الظلم وننقذ واقعنا العربي والإسلامي من الفوضى العارمة حيث كثيرًا ما يتحول الثائر إلى ظالم أو أشد من الطاغية أحيانًا.

دكتور محمد ياقوت من القاهرة، مبدئياً أريد أن أشير إلى أنني عندما كنت أعدّ لهذه الحلقة أردت أن يكون معي جمهرة من المفكرين أزيد من خمسة، من ستة، أعترف لكم أمام الله، أعترف أنّ كبار المفكرين والعلماء رفضوا مشاركتي في هذه الحلقة خوفاً، خوفًا، خوفاً من الطغيان، من الظالمين، فقلت في قرارة نفسي أنّ الذي منع المتقدمين من الكتابة عن الظلم وكيفية مواجهته هو الذي منع المتأخرين من الحضور إلى حلقتي. إنه الجبن والخوف ولعن الله الجبن والخوف.

دكتور محمد، لماذا قصّر المتقدمون والعلماء في إيجاد موسوعات عن الظلم وأبقوا الأبواب مفتوحة إلى درجة أنه جاء فقهاء وقالوا ثوروا على الظلم، فخرجت جماهير تحطم دورًا للناس، محلات للناس، مراكز للشرطة، للدرك، واعتبروا أنفسهم من الثائرين على الظلم. لمَ هذا التقصير المعرفي في واحدة تقوم عليها الدنيا والآخرة، الظلم؟

 

محمد ياقوت: بسم الله الرحمن الرحيم وأشكركم على الدعوة الكريمة. بداية الباحثون يرون أن السلف كانوا ينحون منحى آخر مغايرًا لما عليه الناس اليوم. فكان جمهور أهل العلم يرى أنه يحرم على الناس أن يخرجوا على أئمتهم واستدلوا بذلك بآياتٍ وأحاديث ولاسيما "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك" وأحاديث تحض الناس على السمع والطاعة في الممشط والمكره لأولي الأمر. كانوا يستدلون بهذه النصوص الشرعية في كلّ حال، في أغلب الأمور، ويعتبرون مبادراتٍ صدرت من أعلام كالحسين رضي الله عنه أو كعبد الله ابن الزبير، حينما خرجوا على بعض الحكام وعلى بعض الأئمة، كانوا يعتبرون هذا النوع من الخروج اجتهاد أئمة كبار لهم أجرهم وهو أجرٌ واحد وإن كانوا أخطأوا فهم يرون هذا الأمر موجودًا في تاريخ الأمة. ولكن يعتبرونه خطأ لأنه يغاير نص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمسألة الخروج على الظلم هي في حقيقة الأمر خاضعة للمبدأ العام في الدين، "مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ"، الأصل العام في الإسلام أنه من يرى منكرًا فإنّه عليه أن يغيّره قدر استطاعته وقدر إمكاناته، فإن استطاع أن يغيّر هذا الخطأ أو المنكر بيده وله الصلاحية في ذلك فليفعل، وإن استطاع أن يغيّره بلسانه فليفعل، وإلا فعليه أن يغيّر ذلك حتى ولو بقلبه وهذا اضعف الإيمان.

بالنسبة لأحاديث أخرى تغافل عنها العلماء الذين يأخذون برأي الجمهور في عدم الخروج وإن كانت هذه الأحاديث أحاديث صحيحة وثابتة في الصحيحين ولا سيما حديث الإمام مسلم "ما من نبي إلا كان له حواريون يأخذون بسنته ويستنون بسيرته ثم يكون خلوف"، أي يأتي من وراء الأنبياء حكام يأتون بعد الأنبياء بزمن، خلوف، فسمّاهم خلوف لأنهم يتولون أزمّة الأمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "ثم يكونون خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما تنكرون"، أي تنكرونه في دينكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا السياق "فمن جاهدهم"، أي جاهد هؤلاء الأئمة، "بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردلٍ من إيمان"، وهذا الحديث طعن فيه الإمام أحمد لعلة أوردها في مُسنده، وظاهر الأمر أنّ هذا الحديث يغاير أحاديث السمع والطاعة للأئمة في الممشط وفي المكره، فكيف يقول وإن جلد ظهرك إلا أن تروا كفرا بواحا لكم فيه من الله برهان"، ثم يقول "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن".

الحقيقة كلها أحاديث واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويبدو أنّ هذا الأمر يخضع للمصلحة ويخضع للقاعدة الكبرى في الإسلام، دفع الضرر مقدَّمٌ على جلب المصلحة، والأمر في هذا الموضوع في مسألة الخروج على الحاكم، إذا كان الخروج أو الخروج على الظلم سوف يفضي إلى ظلمٍ أكبر منه فإنّ هذا الخروج يُعَدّ محرّمًا، وإذا كان الخروج سيفضي إلى مصلحة عامة فإن هذا الخروج يعدّ واجبًا، لذا تجد أن بعض الأئمة كالإمام الجويني والإمام الماوردي أورد في كتابه الحاوي هذه المسألة وأورد الرأيين وأنّ هذا الأمر يخضع للمصلحة في كل حال. ثم بعض الأئمة يقولون أنّ مسألة الخروج على الظلم، ظلم الحاكم على رعيته، يقولون أن هذا الأمر ليس مناطا بالرعية، مسألة أن تسقط الحاكم وتدفع ظلمه، لست مطالبا بهذه القضية كما أنت لست مطالبا بأن تطبق الحدود، المواطن العادي وجماهير الأمة وسواد الناس الأعظم ليسوا مطالبين أن يطبّقوا حدّ القصاص أو أن يقطعوا يد السارق أو أن يجلدوا الزاني، ليسوا مطالبين بهذه القضايا أبدا ولو فعلوها فإنما هي فتنة وتؤدي إلى الفوضى. كذلك هم ليسوا مطالبين بالخروج على الحاكم وإنما هذا من شأن أهل الحلّ والعقد، هذا من شأن أهل الشورى، مجلس الشورى.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور محمد، سأتوقف عند أهل الحل والعقد، لكن سأبني على كلامك أنّ هنالك تشويشًا في الرؤية الإسلامية، هنالك التعدد في الرؤية الإسلامية في آلية التعامل مع الظالم. العجيب كيف يختلف أقطاب الفكر الإسلامي في ما بينهم في واحدةٍ من أهم القضايا التي تقوم عليها شؤون الناس. سأفصّل معك بعيد حين إذا سمحت.

شيخ حسين، دعني أبدأ بالظلم السياسي، وهو ثالثة الأثاثي، وهو قطب الرحى اليوم. الإسلام استغرق مليًا في ضرورة اختيار الحاكم، واتفقت المدارس الإسلامية على أنّ شروط الحاكم قاسية بامتياز، وللأسف كلها لا تتحقق في حكامنا اليوم، من علمٍ وعدالةٍ وتقوى وورعٍ وإدراك لتفاصيل الحكم الشرعي وعلم بالدنيا والآخرة ومعرفة أيضًا بالعدو وتفاصيله. طبعًا هذه أوردها غير واحد من علمائنا المتقدمين. كيف نواجه الظلم السياسي؟

اليوم أنت أمام خيارات عدة أعرضها عليك بعجالة إذا سمحت، إما أن ندعو إلى ثورة عارمة فنحدث فوضى كالتي حدثت في تونس، في مصر، في ليبيا، في سورية، في العراق، وفي أكثر من مصر إسلامي، الناس ثارت من أجل الحقوق لكن ضاعت كل الحقوق وبات الناس اليوم يترحّمون على الطغاة، صار الطغيان مطلبًا جماهيريًا اليوم. أو أننا ندعو الناس إلى الصمت كما قال الدكتور محمد في إشارة إلى أحد الأقوال، فليصمتوا ويتحمّلوا الذلة، الحاكم يسرق ويطغى وأولاده يفجرون ويكفرون ويسرقون النفط والغاز والبحار والأراضي، وليتحمّلوا الذلة والله سيدخلهم إلى الجنة. أو أمر بين أمرين، يتدخل العقلاء لإصلاح هذا الحاكم والضغط عليه لكي يعود إلى جادة الناس. الإسلام، وأنت رجل مجتهد، أقرب تصور إسلامي لحلحلة الظلم السياسي في الراهن الإسلامي اليوم؟

 

الشيخ حسين الخشن: المبدأ الأساس والقاعدة الأولية التي لا بدّ أن نؤصّلها قبل أن نتحدّث في الآليات وفي الوسائل التي قد تحتاج إلى شيءٍ من التدرج والحكمة حتى لا نقع في الفوضى، ما هو المبدأ الأساس؟ المبدأ الأساس ألا نقرّ الظلم، أن تكون لدينا حساسية تجاه الظلم، ألا نركن إلى الظالم "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النَّار". هذه هي القاعدة الأساس وأيّ تشويشٍ فرضه هذا التاريخ الإسلاميّ الذي تسنّم فيه الظالم منذ القرون الأولى لسدّة السلطة، هذا تشويهٌ للمفهوم القرآني الأصيل. مشكلتنا ليست في الممارسات الظالمة، مشكلتنا مع مفهوم الظلم أنه تمّت التعمية عليه، تمّ تشويهه، أصبح الظلم من المفاهيم الملتبسة، مع أنه في النظرة القرآنية إليه، واضح أنّ الظلم هو سبب السقوط الحضاري، سبب هلاك الشعوب والأمم وتخلّفها وتأخرها، وربما أعود إلى هذه الفكرة. فإذًا، ولذلك عندما تسكت الأمة على ذبح الحسين ابن علي سيد شباب أهل الجنة، هذا السكوت هو مشاركة للظالم، أنت معنيٌ بأ تكون ظالمًا.

 

يحيى أبو زكريا: وقد ظلمني المخرج وأمرني بفاصل، وهو من أعدل الناس، ظلمٌ فني إن صحّ التعبير. ستكمل لكن بعيد الفاصل إذا سمحت.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نواصل حلقتنا عن الظلم وكيف حاربه الإسلام، فابقوا معنا.

 

 

 

المحور الثاني

بين محاربة الظلم و الفوضى الأمنية راهن الواقع الإسلامي، هل ما يجري اليوم هو في سياق محاربة الظلم؟
 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلا بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الظلم وكيف حاربه الإسلام.

شيخ حسين، كنت تتحدّث عن واقعة الطف وعن ثورة الحسين ابن علي. أذكّر هنا أنّ العقاد له كتاب جميل بعنوان "الحسين شهيدًا"، فأكمل فكرتك إذا سمحت.

 

الشيخ حسين الخشن: كنت أقول أن ثورة الحسين ابن علي، هذه الثورة كانت صرخة في وجه الظالمين وكانت، وهذا هو الأهم، قد مارست وشكلت تصحيحًا للمفاهيم التي زوّرها الظالمون والطغاة لأنّ الطغاة زرعوا في ذهن الأمّة ولا زال هذا المفهوم يتردّد صداه إلى يومك هذا، زرعوا في ذهن الأمّة أنّ على الأمّة أن تهادن، أن تسكت، أن تطيع السلطان ولو جلد ظهرك، ولو ضربك، ولو واجهك، وهذا ما عُرف بمفهوم إطاعة السلطان الجائر، ورووا في ذلك أحاديث عن رسول الله، وفي منطق الحسين فإن هذه الأحاديث عن جده رسول الله هي أحاديث مزوّرة، فالحسين يقول وهو يبرّر نهضته "إني سمعت جدي رسول الله يقول من رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحرمات الله، لا يعمل بعباد الله بالعدل والحق، ولم يغير عليه بقول أو فعل، كان حقا على الله أن يُدخله مدخله".

فإذًا المبدأ الأساس أن نثور في وجه الظالم، ألا نقر على الظلم، ألا نعين الظالم، العامل بالظلم في الحديث النبوي الشريف "العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم". لعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به، الأمّة التي تسمع بالظلم وترضى به هي أمّة ملعونة بمعنى أنها مطرودة من رحمة الله سبحانه وتعالى. لذلك أقول، في مواجهة الظلم السياسي الذي سألتم عنه، علينا من حيث المبدأ أن نؤصّل القاعدة وهي ألا شرعية لأيّ حاكمٍ يسير في عباد الله بالظلم، في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام "أوحى الله إلى نبي في مملكة جبّارٍ من الجبّارين، إذهب يا فلان الجبار وقل له إنني إنما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين، فإني لن أدع ظلامتهم ولو كانوا كفارًا"، فالحكم لا شرعية له، تغادره الشرعية عندما يغادر خط العدل.

 

يحيى أبو زكريا: لكن قبيل الذهاب إلى ضيفي في تونس، إذا كانت ثورة الحسين كما أشرت شرعية ومتكاملة الأركان، القيّم عليها مستجمع للشرائط، وأوصى حتى الثوار ألا يؤذوا أحدًا. إذًا لماذا تشكلون على الثورات العربية اليوم وهي خرجت من أتون المظلومية لتحارب الطغيان والظلم؟ ما الفرق بين ذينك الثورة التي وقعت في التاريخ وهذه الثورات التي وقعت في الراهن اليوم؟

 

الشيخ حسين الخشن: نحن نقرّ بشرعية أيّ حراكٍ يطالب بحقوق الناس ويدعو إلى تطبيق العدالة على المستوى السياسي والاجتماعي، إلا أننا نقول إنّ هناك بعض الضوابط في الحراك الثوري لا بدّ من توافرها. أولا تحديد الأولويات ومراعاتها، فلا يحق لنا ونحن نريد أن نُسقِط الظالم أن نذهب إلى الفوضى، فحاكمٌ غشوم كما يقول عليٌ عليه السلام "حاكمٌ غشوم خيرٌ من فتنةٍ تدوم"، أن نوازن، أن نراعي، هل أنّ العقل الإسلامي الآن يعمل بمنطق الأولويات؟ لو كنا نعمل بمنطق الأولويات في مجابهة الظلم لما غفلنا عن هذا الكيان الغاصب الذي يمثل الظلم بعينه، الذي يتربّع على صدر فلسطين، على صدر الأمة الإسلامية، ونحن نجد أنّ الذين يحملون راية إسقاط الظالم هنا أو هناك يغفلون عن هذا الظالم. إذاً مراعاة الأولويات أن يكون لدينا ميزانٌ صحيح، مشكلة العقل الإسلامي أنه يفقد هذا الميزان الصحيح. إذا لدينا عقل الآن، عقل يفقد الميزان الصحيح الذي يزن به الأمور.

الضابط الثاني، وبسرعة، الذي لا بدّ من مراعاته في مواجهة الظلم هو ألا نواجه الظلم بأدواتٍ تمثل الظلم، بوسائل تمثل الظلم، لأننا لا نريد إسقاط ظالم لننتج ظالمًا آخر محله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل، استمعت إلى هذه النقاط، وحبذا لو نوسّع مداركها قليلا. اليوم العالم الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا يعيش وضعا مضطربًا بسبب غياب العدالة الإجتماعية، أدّى غياب العدالة الاجتماعية إلى حالة فوضى للأسف الشديد، ولم يتمكّن المشرفون على العمل الإسلامي من ضبطها. بنظرك، كيف نبدأ لنشرعن أيّ عملٍ سيكون ضدّ الظالمين مستقبلاً؟ بمعنى كيف نعقلن العمل الذي يفضي إلى إحقاق العدل في العالم الإسلامي؟

 

عبد الجليل سالم: ببساطة، هذا موضوعٌ إشكاليٌ كبير، ونحن العقل الإسلامي ما زلنا نتعامل مع هذا الموضوع، موضوع الظلم وموضوع العدالة وموضوع الدولة، هذه الموضوعات الحديثة، بعقل تراثي. هذه من مظاهر أزمة العقل الإسلامي والفكر الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: جميل، جميل.

 

عبد الجليل سالم: ما زلنا نرجع للتاريخ، ما زلنا دائمًا نرجع للتاريخ حتى نتحدث عن هذه الموضوعات. نحن الآن مدعوون إلى أن نجتهد في اللحظة الراهنة التي يعيش فيها الفكر الإسلامي. نحن نعيش في وضع دولي ووضع محلي وقطري وإقليمي مخصوص، مفهوم، من يحسن فهم هذا الواقع ستكون له الريادة ويكون له الاستخلاف. نحن كمسلمين الآن ما زلنا لم نفهم واقعنا الذي نحن فيه. الآن هذا الحراك، بداية هذا الحراك العربي وهذا الحراك الإسلامي، لسنا نحن الفاعلين الأول فيه. الغرب وأمريكا بالذات لها دورها الكبير في هذا التغيير وهذا التحويل وهذه الظواهر. لا بدّ أن نصارح أنفسنا وأن نكون مع أنفسنا صرحاء. نحن ما زلنا نتعامل مع هذه القضايا بتفكير تراثي. نتحدث عن الحسين ونتحدث عن علي ونتحدث عن عمر، لا، نحن الآن مدعوون لنتحدث بواقعنا. لا أستطيع أن أفهم هذا الواقع إلا إذا شرّحته وفهمته.

دعني أحدّثك بصراحة الآن. ما وقع في تونس وما وقع في مصر وما يقع في ليبيا، لسنا نحن الذين فعلناه لوحدنا إنما هناك عوامل خارجية أسهمت في هذا الواقع، ممّا أنتج إرباكًا لواقعنا. الآن هناك من يعتبر أنّ النظام السوري وأن الجهاد في سورية هذا جهاد، وهناك من يعتبر هذا النظام يجب أن يبقى. هناك ارتباك في الرؤية، هذا الارتباك راجع إلى عدم فهمنا للواقع وللتجاذبات الحزبية والمذهبية والقطرية، فدعنا نكون صرحاء مع أنفسنا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل، في هذا السياق.

 

عبد الجليل سالم: دعني.

 

يحيى أبو زكريا: لا، في هذا السياق، أنا معك، سأظلّ معك. في خضمّ تذبذب الرؤية الإسلامية وعدم تكاملها، في خضمّ إسقاط الموروث الإسلامي على الراهن، قضية، خلاف حول بغلة في القرن الرابع نسقطه على القرن الواحد والعشرين، في خضمّ انعدام الاجماع بين العلماء، هذا يرى هذه ثورة وذاك يراها عورة وآخر يراها استتباعًا للناتو. إذا نحن متورطون في مسائل عظيمة من دون سند شرعي. هذا الحراك الذي وقع، أنطلق من جنون إن صح التعبير، من غياب العقل الإسلامي.

 

عبد الجليل سالم: هذا الحراك هو حراك مشروع، حراك مشروع في العالم العربي. هناك ظلم اجتماعي وظلم سياسي داخلي وخارجي على شعوبنا فثارت هذه الشعوب، ولكن ما البديل عن ذلك؟ ما البديل عن ذلك؟ جاء الإخوان، دعني أتكلم بصراحة، جاء الإخوان في مصر، قدّروا أنهم هم القوة السياسية التي يمكن أن تخرج المجتمع المصري من الأزمة، ولكن أنت تلاحظ الآن ماذا وقع في مصر من انتكاسةٍ ومن ردةٍ ومن استبدادٍ ومن ومن. في تونس الآن، وصلت حركة النهضة إلى السلطة مع الترويكا، ولكن شاهدنا التجربة، ماذا فعلنا بهذه التجربة؟ الآن العقل السياسي الإسلامي لا بدّ أن يعيد ترتيب أولوياته وأن يعيد تقييم ذاته وأن ينقد ذاته حتى يستطيع أن يفهم الواقع وأن يحلّ مشاكل الواقع. أنا أعتقد أنّ عقلنا السياسي الإسلامي ما زال عقلاً مغيّبًا وما زال عقلاً غير فاهم للواقع ويستسهل الأمور ويستسهل الصعاب، وهذه من مشكلة الإسلام السياسي الآن، يتصور أن الوصول إلى سدة الحكم سينزل العدل وسينزل المشروع الإسلامي وهذا خطأ غير صحيح، هذا وهم من الأوهام.

وأنا ما أدعو إليه أن يكون لنا وعي حاد، واضح، عقلنا الفقهي، الفقه السياسي للقرن الرابع والقرن الخامس ما عاد يحل مشاكل القرن الواحد والعشرين، هذا تراث. الآن يجب أن نفرّق بين التراث، بين ما أنتجه المسلمون في التاريخ وبين واقعنا الآن. واقعنا الآن يتطلب اجتهادًا جذريًا، وهذا الاجتهاد أدواته وعلماؤه غير موجودين. نحن الآن ما زلنا نتخبط في واقع أليم وما زلنا سنتخبط لأنّ الإسلام والمسلمين قد غُيّبا عن مسرح الحضارة منذ خمسة قرون، منذ عصور الانحطاط.

نحن الآن، هذا البعد التاريخي الذي يغيب عنا هو سبب من أسباب انتكاسنا ومن سبب ضطراب الحركات الإسلامية وعدم فهمها وعدم قدرتها، الآن ما نخشاه على الحركات الإسلامية وعلى الإسلام السياسي أن يكون في أجندات دولية أن توظفه أميركا لصالحها وهذا أخطر شيء على الأمة. أنا أقول بكل صراحة أن إبليس لا يمكن أن ينهى عن المنكر، لا يمكن أن يأتي الحل من أميركا أو من بريطانيا، ونحن الآن شئنا أم أبينا يقودنا، هذا العامل الدولي يقود هذا المشروع وهذا اخطر شيء على الأمة لأننا لسنا قادرين على أن نحلّ مشاكل الأمّة. كلّ ما تشاهده الآن من إنتاج، كله آتٍ من الغرب، نحن خرجنا عن التاريخ كمسلمين، هذا الذي يجب أن نوجّهه. أين نحن ومن نحن؟ هذا السؤال وهل نحن قادرون على أن نحل المشاكل؟ لا، أنا أعتقد أنّ الأمة أمام أزمة كبيرة. الآن تقسم الأمة إلى دويلات وتقسَّم الأمة إلى مذاهب وإلى طوائف وإلى عرقيات وإثنيات، باستراتيجيةٍ مخطط لها منذ زمن طويل، وهذا الخطير، هذا الخطير على أمتنا. يجب أن نعي اللحظة التي نحن فيها ومدى قدراتنا. أقول كلمة أنا، طبعًا أنا من دعاة التفاؤل. من أين نبدأ؟ المفيد أن نبدأ بداية صحيحة.

الظلم لا يقاوم إلا بقدراتٍ قادرة على رفع الظلم. اشتراط الكفاءة العلمية والكفاءة الفكرية والكفاءة الاخلاقية في القادة هذا واجب. الآن الكثير من الحركات ليست لها كفاءات في الحقيقة لا تنظيمية ولا تنظيرية ولا سياسية ولا إدارية لرفع الظلم، فنقع في ظلمٍ آخر، نقع في ظلمٍ آخر، يعني أن تتسلم السلطة وأنت غير قادر فأنت ستقع في ظلم، ولذلك كانت دعوة للحركات الإسلامية ودعوة للإسلاميين في تونس وفي غير تونس أن يكونوا واعين بقدراتهم وأن يكونوا واعين بإمكانياتهم هل هم مؤهَّلون للحكم أم لا؟ هذا السؤال. لا فائدة في أن تأتي  الى الحكم وأنت تظلم الناس في ما بعد أو يسبك الناس. هذه القضية التي عندي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل هذا السؤال كبير وحضاري، أرجو أن تبقى معي دكتورنا العزيز. دكتور محمد ياقوت، من الكتب التي وضعت في بداية القرن الفارط كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للكواكبي، وفيه يقول:

"غرورُ المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي والحقوق المشتركة والاستبداد في السياسة هو تصرّف فرد أو جمعٍ في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف"، ويرى "أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي ودواؤه في الشورى الدستورية وأنّ الاستبداد هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى ويحدد أطرًا أساسية يطرحها كالتالي: ما هو الاستبداد؟ وما سببه؟ وما أعراضه؟ وما هو داؤه؟ وما هو دواؤه؟ وما هي طبائع الاستبداد؟ ولماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ وما تأثير الاستبداد على الدين والمال والأخلاق والتربية والعمران؟ ومن هم أعوان المستبد؟ وما الذي ينبغي استبداله بالاستبداد؟ الاستبداد لا يتوقف على الحكام والحكومات بل يلقي بظله على أفراد المجتمع ككل، فكلٌ منا مستبدٌ بدرجة أو بأخرى"، فيقول "يراد بالاستبداد استبداد الحكومات خصوصا لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل وتحكم الأب والأستاذ والزوج ورؤساء بعض الأديان وبعض الشركات وبعض الطبقات فيوصَف بالاستبداد مجازًا والاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة".

"الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكمًا التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية أو حساب أو عقاب، كما أنّ صفة الاستبداد تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة وأشدّ مراتب الاستبداد التي يُتعوَّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق والوارث للعرش والقائد للجيش". ويقرّ الكواكبي "بأنّ من علامات غياب الاستبداد وجود شورى دستورية والحكم المنتخب بإرادة شعبية وسيادة العدالة الاجتماعية".

"قبل الكلام في مسألة الخروج على الحاكم، لا بدّ من أن نبيّن من الذي يجوز الخروج عليه ومن الذي لا يجوز الخروج عليه، ولا يتمّ الكلام عن هذا إلا بعد تصنيف الحكام على ثلاثة أصناف وبيان الصنف الذي يجوز الخروج عليه:

الصنف الأول الحاكم الكافر الذي يحكم في بلاد المسلمين، مثل هذا يجوز الخروج عليه وإسقاطه بالاجماع واستبداله بحاكم مسلم عادل. اختلف العلماء حول الحاكم المسلم الظالم على ثلاثة أقسام:

الأول العلماء المداهنون والانتهازيون، فهؤلاء هم المستفيدون من الحكام يوافقونهم في السراء والضراء، فلا يأمرونهم بمعروفٍ ولا ينهونهم عن مُنكر فعلوه ولا يخرجون عليهم حتى لو رأوا منهم كفرًا بوحا، فهؤلاء علماء السوء مذهبهم المشي في ركابهم والمديح لهم.

القسم الثاني العلماء الجامدون على النصوص يأخذون بظواهرها من غير تعليل لأحكامها أو ربط بمصادرها، فهؤلاء يجيزون الخروج على الحكام الظلمة ويدعون الناس إلى قتالهم لاسقاطهم لا بل يوجبون ذلك عليهم لأنهم يكفرونهم بجورهم وظلمهم ويُخرجونهم من الملة ويعتقدون أنّ كلّ من ارتكب كبيرة ولم يتب منها فهو كافر، وهم أيضًا يكفّرون من سكت على جور حكام وظلمهم.

فلذلك لا تجوز طاعة كافر أو ظالم او فاسق فكيف إذا اجتمعت هذه الثلاث في قلب رجلٍ واحد وهؤلاء استدلوا بحديثين عن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، الأول رواه أبو داوود والترمزي وابن ماجه وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "أفضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر"، والثاني رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي الأكرم أنه قال "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

 

يحيى أبو زكريا: السؤال دكتور محمد، وتتمة لما ذكره الدكتور عبد الجليل من تونس، ما دام المسلمون أو الإسلاميون لا يمتلكون نظرية للعدل تطبيقية، لماذا طرحوا شعار الإسلام هو الحل وعندما حكموا عقّدوا المجتمعات وجعلوا الإسلام هو المعقّد للأسف الشديد وبات الناس يفرّون منه؟ من المسؤول عن هذا التقصير المعرفي الابستمولوجي في التكامل النظرية السياسية العادلة في الإسلام؟

نلاحظ أرباب الحركات الإسلامية أحيانًا لا يختلفون عن الطغاة في شيء. الطاغية يملك قصورًا وهم يملكون قصورًا، الطاغية يورث أبناءه، هم يورثون أبناءهم، تجد فلانا ابن الجد الفلاني الذي كان رئيس حركة إسلامية، كيف السبيل إلى صناعة فكر إسلامي واحد تجاه التعامل مع الظالم؟

 

محمد ياقوت: بداية نعم، نعم، هم أخطأوا حينما أعلنوا عما يملكون ووعدوا الناس بما لا يستطيعون. قبل كتاب "طبائع الاستبداد" للكواكبي، أنا ينبغي عليّ أن أشير إلى مرجع مهم جدًا، وإن كان لم يتخصّص في الحديث عن الظلم، وهو مقدمة ابن خلدون التي أفرد فيها فصولا ومقالات عديدة تحدث فيها عن الظلم وأنه مؤذنٌ بخراب العمران، حتى هذا في باب عظيم في مقدمته، فقال "الظلم مؤذنٌ بخراب العمران"، وذكر جملة من الأمم سقطت بسبب الظلم وتكاد تكون أي أمة سقطت إنما سقطت بسبب الظلم، وحتى تحدث عن الآية الكريمة "فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ"، فذكر أنّ سبب خراب الأمم هذا الظلم الاجتماعي أنّ بئر معطلة، قومٌ لا يجدون الماء ليشربوه فالآبار معطلة والمصالح العامة متمثلة في الآبار معطلة، بيد أنّ قومًا آخرين مشغولين بالثروات وبناء القصور الفارغة وبئر معطلة وقصر مشيد، وهذه الكلمة تشير إلى الظلم الاجتماعي. فمرجع ابن خلدون مرجع جدير بالدراسة.

أيضًا هناك نقطة مهمة جدًا في التاريخ الإسلامي ينبغي ألا نغفلها كحل لمواجهة الظلم، وهو حلف الفضول، وهو حلف الإصلاح، حلف المطيلبين الذي شارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أسّس هذا الحلف من جماعة من فضلاء وأفاضل مكة من أجل محاربة الظلم وشارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أجل هذه الغاية النبيلة وهي محاربة الظلم، رغم أنّ الذين أسسوا هذا الحلف ليسوا مسلمين وإنما كانوا مشركين، ولم يكن الإسلام قد جاء بعد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "ولو دعيت إليه بعد الإسلام لأجبت"، وقال "شهدت في بيت عمومتي حلفًا ما يسرّني أن يكون به حبر النعم وأني أنكثه"، يتباهى النبي صلى الله عليه وسلم أنه في جماعة وفي حلف وفي هيئة إصلاحية تحارب الظلم وهذه الهيئة عريقة وكبيرة تضمّ كلّ الأطياف وتضمّ العائلات الكبرى والقبائل الكبرى في البلد. والنبي صلى الله عليه وسلم يشارك في هذا الحلف، وهو غلام وهو صبي في سن العشرين كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنا كباحث أشرت إلى هذا الحلف وتحدثت في كتيّب أو في دراسة عن هذا الحلف كوسيلة لاحيائه مرة أخرى في هيئة إصلاحية جامعة تحارب الظلم بشكل عام.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور محمد، ما زلنا في نفس الاشكالية التي أشار إليها ضيفي العزيز من تونس الدكتور عبد الجليل أنّ عقلنا العربي والإسلامي يعيش في الماضوية. متى يتحول هذا الفكر الإسلامي الذي صار تدميريًا للأسف الشديد، ودعنا نقول أن المسلمين يدمرون أنفسهم بالاسلام، هذا الإسلام الذي كان عامل توحيد صار عامل تفجير. متى يتحول إلى رياضيات؟ مواجهة الظلم، الطريقة الأولى نصح الحاكم، النقطة الثانية تشكيل مجموعة علماء ومفكرين يضغطون على الحاكم. عندنا نصوص دكتور محمد، أوضح فكرتي، عندنا نصوص متشعبة سمتها التناقض والتضارب والتناطح، فنبني عليها نؤسس لعقد بدل أن نؤسس لحل. فهل نحن دائما ننتج العقد؟

 

محمد ياقوت: مع الأسف التراث الإسلامي القديم وخاصة التراث السلفي هو مليء بالنقاط الجدلية والحديث في مثل هذه الأمور تقرأ تفصيلات ونفس طويل من علماء السلف في هذا الموضوع ثم لا تصل إلى نتيجة عملية. نحن لا ننسى أبدًا المبدأ العظيم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنّ سيد الشهداء حمزة هو رجل قام إلى إمام ظالم ونهاه فقتله، حتى قال أنّ من ضمن أعظم الكلمات التي تقال كلمة حق عند سلطان جائر وهي أعظم كلمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما تكون في محضر سلطان أو في مواجهة سلطان جائر، فهذه الكلمة هي أعظم ما يمكن أن تقال في مكان أو في صالون أو في مؤتمر أو في مكان عام، كلمة الحق حينما تقال في وجه الإمام أو السلطان الجائر. ولكن أنا معك في أنّ الاشكاليات التاريخية كثيرة وأن التاريخ الإسلامي مليء بكثير من الترهات الجدلية أو الألغاز العلمية التي يتحدّث عنها العلماء ثم لا تصل إلى نتيجة وخصوصًا في مسألة الخروج على الحاكم. حتى أحدهم قد يجنح إلى تكفير من يقول بخروجه على الحاكم، يكفّر الذي يرى بالخروج على الحاكم، وتدخل المسألة إلى العقيدة، حتى أنني رأيت كتابًا لأحد مشايخ السلفية، هذا الكاتب يتحدّث عن عقيدة أهل السنة، ثم أفرد من ضمن العقائد الثابتة في عقيدة المسلمين أنه لا يُخرَج على الحاكم وإنّ هذا الأمر ينافي العقيدة، فجعل الخروج على الحاكم كما لو كان الإيمان بالله وقدره وملائكته وكتبه ورسله، ثمّ عدم الخروج على الحاكم، وهذا الأمر موجود في حقيقة الأمر في كتب تباع على الأرصفة وفي المكتبات.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد لله ذرك أدركني الفاصل، لكن لا بدّ أن أقول أنّ كثيرًا من الفقهاء نظّروا الى مسألة عدم جواز الخروج على الحاكم لكنهم أيضًا أعطوا شرعية للحاكم أن يخرج على شعبه وأن يطير إلى كواكب أخرى، حتى صار الحاكم العربي غريبًا عن شعبه وأمّته ولا يعرف مآسي شعبه، وقد يحدث أن يبيع شعبه في سوق النخاسة.

مشاهدينا المحنة كبيرة والخطب جلل. دعوني أريح قلبي وقلوب ضيوفي بفاصلٍ قصير.

 

 

 

المحور الثالث

أنواع الظلم كما بينها الإسلام ومصير الظالمين و العقاب الأخروي لهم

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلا بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج الكارثة التي ألمّت بالعالم العربي والإسلامي، الظلم، ونبحث عن الأعقد، كيف نحارب هذا الظلم.

شيخ حسين، لا شكّ أننا في زوبعة فكرية، في ضبابية في الرؤية. لنعترف أنّ الخطاب الإسلامي قصّر، الخطاب الإسلامي بحث عن البعوضة إذا سقطت في كوبٍ، بحث عن جلبابنا كيف نقصّره، كيف نطوّله، بحث ربما في شعر الأجنبية. لكن في قضايا مركزية كالحكم، إدارة الدولة، لم يبحث في ذلك. لا شكّ أنّ الظالم إذا لم يعاقبه الشعب يعاقبه المولى عز وجل "تنام والمظلوم يَدْعُو عَلَيْك وَعَيْن الْلَّه لَم تَنَم". ما هي نهايات الظالم وكيف يعاقَب ربانيًا لأنه لا يمكن أن يكون ذا نهاية سعيدة؟

 

الشيخ حسين الخشن: هذا الأمر أشار إليه القرآن الكريم بشكلٍ واسعٍ ومفصّل، ويكفيك قول الحق عز وجل "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّ‌سُولِ سَبِيلًا" أو في آيةٍ أخرى "وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ". نهاية الظلم واضحة إلا أنّ الأهمّ باعتقادي هو الحديث ليس عن النهاية الأخروية بل عن النهاية الدنيوية، فالظلم له آثارٌ خطيرة ومن أبرزها السقوط الحضاري. سقوط الحضارات هو ثمرة طبيعية للظلم.

 

يحيى أبو زكريا: عقلك يقبل الاحتجاج، يا شيخ حسين. إذا كان الظالم يورث خراب العمران وضياع المدنيات وسقوط الحضارات، ما ذنب الرعية المظلومة؟ لماذا المولى عز وجل يعاقب الظالم بالإذهاب بالمظلومين؟

 

الشيخ حسين الخشن: "لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ"، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عندما يسود الظلم، لماذا تسقط الحضارات؟ لأنه يتمّ هدر العقول، هدر الطاقات، هدر الكرامات وهدر الإنسانية، وعندما تهدَر العقول والكفاءات فعلى الإنسانية السلام. الثمرة الأخرى السلبية للظلم هي هلاك الشعوب، "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا"، آية قرآنية واضحة، وهناك العديد من الآيات التي تؤكد هذا المعنى.

وهنا آتي إلى سؤالك. عندما يكون الظلم عامًا فإنّ الهلاك يكون عامًا، وتلك سنة قرآنية "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً"، فتنة عامة، لذلك أيضًا من الآثار، يرتفع الأمن من المجتمعات لأنّ الأمن مَدينٌ لعنصرين في منطق القرآن الكريم، الإيمان والعدل. إذا ارتفع الإيمان والعدل ارتفع الظلم من المجتمعات، كما يقول الله سبحانه وتعالى "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ". حتى أننا نجد أنّ التشدّد التشريعي الذي كان يمارسه الله سبحانه وتعالى على بعض الأمم السابقة، كان بسبب ظلمهم، "فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ".

لكن دعني هنا أعلق على فكرة تعاملنا مع التراث. لا ينبغي أن نسكن في الماضي، ولكن لا يجوز أن نخجل من هذا التراث ومن هذا الماضي، أن نعرف أن نتعامل، أن نبني على الماضي لنتجاوز ما ليس من الأسس وما ليس من القواعد، نتجاوز القشور ونأخذ باللباب. الأمّة التي تستحي بتاريخها وماضيها هي أمّة لن يكون لها حضور بين الأمم، الأمة التي تحترم تاريخها وتعرف كيف تتعامل مع هذا التاريخ على قاعدة "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ". إذا، ليس المطلوب أن نعيش مع الحسين في زمن الحسين، لكنّ المطلوب أن نعيش قيمة الحسين ابن علي، لأنه كما يُقال عنه أبو الأحرار وسيد الثوار.

وأحبّ أن أضيف هنا نقطة أخرى. كيف لنا في زماننا اليوم، أين مكمن الداء في هذه الأمة، في هذا العقل، حتى يعقم عن أن ينتج نظرية في العدالة الاجتماعية والسياسية؟ ليس المكمن في النصّ ولا في العقول، المشكلة التي نراها هنا في أننا لا نعرف كيف نوظف هذا النص بما يصلح لإنساننا ولعصرنا. الاجتهاد كما يقول المفكر الباكستاني محمد إقبال هو القوة المحركة للإسلام. الجمود الذي أصاب العقل الإسلامي هو الذي أدى بنا إلى ما نحن عليه اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا.

 

الشيخ حسين الخشن: أن نجتهد، أن ننتج نظريات، فقط كلمة صغيرة، أن ننتج نظريات من وحي النصّ ومن وحي مقاصد الشريعة بما يتلاءم مع زماننا، حتى لو اقتبسنا من الآخرين في بعض آليات تطبيق العدل، فالإسلام لا يمنع ذلك على الاطلاق، وقد اقتبس الماضون من هذه الأمّة في تاريخنا عندما كان هناك نوعٌ من الإشراق، اقتبسوا وقدّموا، ولذلك أن نأخذ العدل في الجوهر، لأنّ مشكلة الكثيرين منّا اليوم أنهم يظلمون الإسلام ويظلمون الدين، وهذا هو الظلم الأبرز والأكبر، أن تظلم الدين من خلال هذا التصور الوحشي الذي تقدمه باسم الدين.

سمعت بالأمس من يتحدّث، لعلّك سمعت، وسمعتُها على الميادين، بعض البيانات التي تريد لنظام الرقية أن يعود من جديد. هذه ظلامة للإسلام ولرسول الله لأنّ نظام الرق لم يشرعنه الإسلام وإنما تماشى معه وسعى للتخلص منه.

 

يحيى أبو زكريا: ولعلّ الظلم الأكبر أنّ المسلم ينحر مسلمًا من الوريد إلى الوريد ويقول يا ربّي إني أؤدي تكليفي الشرعي بذبح الإنسان فافتح لي أبواب الجنة ويا حور العين استقبلوني.

دكتور عبد الجليل، لماذا لا نخرج قليلا من سجن الماضي وسجن الموروث وسجن النصّ أيضًا ونقول بقاعدةٍ قالها علماء الكلام والعقيدة أنّ العدل يرتبط بالذات؟ البشر جميعا يقرّون أنّ العدل حسن وأنّ الظلم قبيح. عندما نذهب إلى أوروبا نجد الحاكم الأوروبي عادلاً، بأتمّ معنى الكلمة، شهادة لله جلت كل أوروبا، كنت أرى حكام أوروبا أولا يتجولون بالدراجات يشهد الله الهوائية، الحاكم العربي يحتاج إلى 60 طائرة و70 سيارة و200000 دراجة نارية حوله. كان الحاكم في أوروبا إذا ثبت أنه أخذ رشوة والله يستقيل، والله يستقيل في اليوم التالي. هؤلاء الغربيون لا يوجد عندهم نصّ قرآني وأقاموا دول الرفاهية ودول العدالة، والمسلمون عندهم نصّ قرآني وأنتجوا مجتمعات مهتوكة ظالمة رخيصة جدًا.

 

عبد الجليل سالم: دعني أقول لك كلمة ببساطة. دعنا نعيش واقعنا. بكلمة واحدة أوروبا دخلت الحداثة السياسية والحداثة بمفهومها العام وأسّست لدولة المؤسسات ودولة القانون وناضلت من أجل ذلك لمدّة خمسة قرون وأفلحوا في إقامة حضارةٍ مبنيّةٍ على الدولة الحديثة وقوامها القانون وقوامها المؤسسات. نحن مشكلتنا في العالم العربي منذ عصر النهضة، وفي تونس بالذات، نحن أنتجنا فكرًا خلدونيًا كما أشار، فكر ابن خلدون أساسًا مبني على محاولة معرفة الوقوف على القوانين الضابطة لتطور المجتمعات ولتطور الحضارة.

نحن في تونس منذ قرنين مع خير الدين باشا حاولنا أن نبني تجربة إصلاحية قوامها فكرتان، أساسها امتلاك العلم وامتلاك الدولة الحديثة أو النظام السياسي العادل. نحن منذ قرن ونصف القرن ونحن نناضل من أجل هذا، فلا امتلكنا علمًا ولا امتلكنا دولة حديثة.

باختصار شديد، إذا شئنا ان ندخل الحداثة السياسية وأن ندخل العالم الحديث وأن ندخل نوعًا من الإضافة الحضارية كمسلمين شرقا وغربًا، هو أن نبني حداثة سياسية قوامها الدولة الحديثة المبنية على المؤسسات والقوانين والتداول على السلطة. إذا أفلحنا في هذا كمسلمين، فإننا سنخرج من أزمتنا. المسلمون إلى الآن لا يتصورون ماذا نريد، الحركات السلفية والحركات الإسلامية، نحن نريد ببساطةٍ أن نخرج من كبوتنا ومن غيبتنا بإقامة دولةٍ حديثةٍ قوامها القانون وقوامها التداول على السلطة، وما نشاهده الآن في تونس، وأنا أقول لك كلمة ربما في الربيع العربي الدولة التي ستنجح هي تونس، وهذا رهان مني، تونس، لأننا لنا تجربة قديمة ولنا دولة قامت منذ 3000 سنة، ممكن هذه التجربة  ان تنجح إذا توافرت لها الشروط الموضوعية، وإذا وعى الشعب التونسي، شعبنا وعى أنّ الصراع الديمقراطي هو الحل الوحيد للخروج من كبوتنا وللخروج من أزمتنا السياسية، هذه مسألة أساسية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل، الشرط الآخر هو ألا تقيم داعش إمارة في جبال الشعانبي يرحمك الله.

 

عبد الجليل سالم: لا، لا، داعش، أنظر يا سيدي، داعش هذا وهمٌ وهذه كذبة داعش، والحركات التكفيرية هذه كذبة بالنسبة لنا. لا أرض ولا مكان لهذا الفكر الداعشي وهذا الفكر التكفيري في تونس وفي العالم العربي، هذه ظواهر، أنا أقول لك، هذه إنتاج مخابرات ولعبة أميركية ولعبة دولية كبيرة يلعبونها، يضحكون على عقولنا وعلى ذقوننا. لا، نحن نريد أن نقيم دولة حديثة قوامها الديمقراطية والصراع الديمقراطي الذي سيفرز القوى الإسلامية والوطنية التي ستخرجنا من أزمتنا. لا حل لنا إلا بالصراع الديمقراطي، لا حل لنا، على الأقل أنا ما أشاهده في تونس، وما شاهدناه في مصر، في الحقيقة خطأ الإخوان بتقديري أنا أنهم لم يقرأوا الدولة العميقة قراءة عميقة، قراءة واعية. وأقول لك كنا واعين في تونس منذ البداية أنّ التجربة في مصر ستفشل بعد سنة وسيدخلون إلى السجون. هذه كانت قناعتنا. لم نفاجَأ نحن في الحقيقة، ولم نفاجَأ في تونس بأن قاومت التيارات الأخرى النهضة والترويكا. كنا واعين لذلك.

ولذلك نحن نقول بصراحة للإسلاميين وهذا ما يقوله ويبشر به أستاذنا الشيخ عبد الفتاح مورو، يقول لهم بصراحة دعوا السلطة لأهلها، نحن لسنا، ربما غير مؤهلين لتحمل هذا الوزر السياسي. نعدّ أنفسنا للمستقبل ولكن بالإيمان، بتركيز الصراع الديمقراطي ولا شيء سوى الصراع الديمقراطي. أما تطبيق الشريعة والفكر التكفيري والإسلام هو الحل، فهذا كلام ما عاد يُجدي الإسلاميين في شيء بل يؤخّرنا ويُرجعنا إلى نقطة الصفر. نحن لا بدّ أن نكون واعين. أين نحن بأي منحى ومن نحن وما هي إمكانياتنا؟

لا حلّ لنا إلا بالصراع الديمقراطي وإلا بالديمقراطية ولو أفرزت الديمقراطية غير الإسلاميين. نعم، دعها. أوروبا لم تتقدم إلا، وأقول لك أوروبا لم تصل إلى الحال الديمقراطي إلا بعد ان خاضت حروبًا كادت أن تقضي على المجتمعات الأوروبية ونعرف أن ألمانيا وقعت فيها حرب وإنكلترا وقعت فيها حروب داخلية، أمريكا  كذلك . لم تخرج أوروبا والغرب إلا بتأكيد الصراع الديمقراطي والتداول على السلطة.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور عبد الجليل.

 

عبد الجليل سالم: نحن بحاجةٍ إلى هذا الوعي الحاد. إيران الآن، سامحني، أقول لك، إيران الآن فيها صراع ديمقراطي، فيها تداول على السلطة، في أجنحة سياسية. لا حل لنا كمسلمين إلا بإقامة دولة وطنية ديمقراطية يقع بها التداول على السلطة كائنا من كان وصل عن طريق صندوق الاقتراع. ومن دون هذا، سوف نبقى في أزمتنا وسوف نبقى في حروبنا الداخلية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل، الأمر الجليل هو أنّ الغربيين تعلموا من تاريخهم والمسلمون لم يتعلموا من تاريخهم. وحقّ المولى عز وجل، عشت في أوروبا ردحًا من الزمن، لم أسمع أوروبيًا يقول لأوروبي أيها الأرثوذكسي، أيها الكاثوليكي، أيها البروتستاني.

 

عبد الجليل سالم: لأنهم تجاوزوا المشكلة.

 

يحيى أبو زكريا: أعيش في العالم الإسلامي، قنوات السنة لذم الشيعة، قنوات شيعية لذم السنة، وكلٌ يسبّون بعضهم بعضًا ويقولون إياك نعبد وإياك نستعين.

دكتور محمد ياقوت، العدل غاية إنسانية، بشرية، ولعلّ هذه الحلقة خلصت إلى أنّ غياب العدل في العالم الإسلامي هو الذي أفضى إلى الظلم الثقافي، الظلم الأمني، الظلم الاستراتيجي، الظلم الاجتماعي، الطبقية المقيتة، ازدياد عدد الأغنياء في العالم الإسلامي وفقراء كثر، اللقمة يسرقها الكبير صانع القرار، أما الصغير فيتحمل وزر الكهرباء والبيوت القصديرية ويسكن في الأكواخ. هل بنظرك أنّ العالم العربي والإسلامي سيعدل، سيخرج من دائرة الظلم إلى العدل كما قال الدكتور عبد الجليل، قد تكون هذه مرحلة عابرة إلى مرحلة أعدل بإذنه تعالى؟

 

محمد ياقوت: بالطبع هي مرحلة طارئة ونحن في منحدر حضاري، ونحن في إقبال من بشرى نبوية ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوة، فخراب البيوت الذي رأيناه في بلداننا العربية، وهذا الكمّ من الهجرة إلى خارج الأوطان إنما جاء بسبب الظلم، وهذا يفسّر لك أنّ هجرة العقول تكون من أوطاننا إلى بلدان أخرى وإلى حضارات أخرى، تأخر البحث العلمي، التخلف الاقتصادي، والتعليمي، والأكاديمي الذي نراه. كلّ هذا نحيله إلى الظلم.

نحن أيضًا نجرع مآسي تاريخية، أيضًا كما نجرعها في مسألة تأويل هذه المشاهد التاريخية. فنحن لا زلنا نقع تحت سيطرة التاريخ وسيطرة من يكتبونه ويؤوّلونه، فنحن حتى اليوم نسمع علماء أو نسمع مشايخ يخطّئون الحسين حينما خرج على الحاكم الظالم، وفي نفس الوقت يبرّرون للحجّاج حينما سفك دماء العلماء، يخطّئون الأشعث حينما خرج على الأمويين ويجعلون عبد الله ابن الزبير خارجًا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم حينما فعل ما فعل وواجه الحجّاج، رغم أنّ هذا صحابي جليل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا رجل استبدّ بالحكم وسفك آلاف الأنفس وقتل العديد من العلماء ولم يسلم منه إلا القليل في عصره من العلماء.

نحن أيضًا أمام إشكالية خطيرة جدًا، دائماً نراها وكأنما هي طعن في ضمير الأمة وهي الولاء للحاكم المتغلب، تجد أنّ في الكتابات السلفية أو في المدرسة السلفية أنها تُجمِع، تكاد تُجمع على أن الحاكم المتغلب ولايته ولاية صحيحة كالحاكم الشرعي، حتى ذكر ابن حجر في"فتح الباري" بأنّ الفقهاء أجمعوا على وجوب طاعة الحاكم المتغلب، وتجد أنّ هذا الكلام إنما الدافع وراءه كما يقولون، الدافع هو المصلحة العامة وحقن الدماء والاقتصاد في هذا الأمر وإنهاء الموضوع بأن نذعن للحاكم المتغلب. ولكن حينما تتمعّن في هذا الأمر تجده منتشرًا كثيرًا في كتب التاريخ الإسلامي وكتب السلفية.

 

يحيى أبو زكريا: عمومًا، دكتور محمد، لأنّ الحلقة أوشكت على الانتهاء، عفوًا، أريد أن أقول ربما نحتاج إلى حلقات في آلية تنظيف الموروث الإسلامي. أرجو أن تبقى معي.

في كليمةٍ أخيرة، أشار الدكتور محمد إلى الخلافة المنقذة وفي العقيدة الإسلامية يوجد باب اللطف الإلهي أنّ الله لا بدّ أن يتدخل لانقاذ البشر. هل سيخلص المسلمون ويتخلصون من الظلم؟ في كليمة.

 

الشيخ حسين الخشن: نعم، نحن قادمون بإذن الله، ونحن متفائلون على الدوام، قادمون إلى النور والعدل، لكنّ ذلك ليس بالشعارات. شعار لا حل إلا بالديمقراطية أخاله كشعار لا حلّ إلا بالإسلام. علينا أن نحفر في هذا الواقع الإسلامي المتكلس لا أن نمارس قطيعة مع الماضي بل نعمل على انتشال المسلمين من هذا التخلف. نحن أمام مدارس تعلم الجهل والتخلف وتكفير الآخر، ولذلك لا يكفي أن نشتم وأن نسبّ هؤلاء، علينا أن نجتهد ونبذل كلّ جهدنا لإنقاذ هذا الواقع الإسلامي وأن نربي أنفسنا وأبناءنا من داخل بيوتنا على قيمة العدل.

قال عليٌ ذات يوم "وَاللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً". حسك السعدان هو شوك، " أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟! وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ، مَا لِعَلِيّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لاَ تَبْقَى". نعوذ بالله من سبات العقل. إنه سبات العقل الذي نعاني منه.

 

يحيى أبو زكريا: وللأسف الشديد، قائل هذا القول هو عينه القائل "ما أكثر العبر وأقل الاعتبار في العالم الإسلامي".

المفكّر الإسلامي الشيخ حسين الخشن شكرًا جزيلاً لك، أمتعتنا، دكتور عبد الجليل من تونس شكرًا جزيلاً لك، دكتور محمد من مصر شكرًا جزيلاً لك.

مشاهدينا، وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وأختم يوم يعضّ الظالم على يديه، ليس الحاكم، قد يظلم الرجل زوجته، قد يظلم بنيه، قد يظلم صاحب الشركة عمّاله، الظالم، مطلق الظالم سيعضّ يديه في يومٍ أسود. في رحاب الله.


 

حيّاكم الله وبيّاكم شيخنا العزيز.






 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon