"فقه العلاقة مع الآخر المذهبي" تحت الضوء: قراءة ولمحة سريعة عن الكتاب    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    تنزيه زوجات الأنبياء(ع) على ضوء الروايات    الإنسان والماء: معادلة الحياة والموت    كيف نفهم حديث: علي أمير النحل؟    
 
بحث
 
كلمات الإمام علي: طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة (2)
 
س » مولانا انا اعاني من حديث النفس حيث يدور في ذهني صور وكلام فيه إساءة وجرأة على اولياء الله، مع اني اشعر بذنب كبير وانا ملتزم واخاف المحاسبة على هذا الحديث النفسي الباطني فبماذا تنصحني؟
ج »

هذه الوساوس وأحاديث النفس معفو عنها ولا يحاسب الإنسان عليها ما دامت غير اختيارية له ولا يتعمد استحضارها وإنما تفرض نفسها عليه، لأنه كما ورد في الحديث الشريف "كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر". أجل، يجدر بالمؤمن أن يُدرّب نفسه على تجنّب مثل هذه الوساوس حتى لا تسقط حرمة الأنبياء والأولياء (ع) في نفسه، فيكون اقترانهم (ع) بالصور القبيحة وألفاظ السباب أمرًا عاديًا. ولكن السؤال هو عن الطريق الأمثل لتجنب مثل هذه الوساوس، وفيما أرى وأرجح فإن الأمر قد يختلف من حالة إلى أخرى، فبعض الناس قد يكون طريقهم الأسهل للخروج من وطأة هذه الأحاديث النفسية هو أن يستحضروا عظمة الأنبياء (ع) في أنفسهم، وأن يستحضروا قبل ذلك أن هذه النفس بما يجول فيها من معاني قبيحة وكلام نفسي سيء تجاه الأنبياء، إن هذه النفس مكشوفة أمام الله، فهو مطلع على قباحة هذه الصورة التي تفرضها هذه الوساوس، ومن المعلوم أن حضور الله في نفس الإنسان يطرد وساوس الشيطان وكل قبيح منها، والإنسان المؤمن لا يحب أن يراه الله على هذه الصورة لأنه يخجل من ذلك. في المقابل فإن شريحة أخرى من الناس لا ينفعها الطريق المتقدم، بل قد يزيد ذلك من تفاقم المشكلة لديهم، ولذا فقد يكون العلاج الأمثل بالنسبة إليهم أن لا يُبالوا بهذه الوساوس -على قباحتها- وأن يعلموا أنها أنها وساوس عابرة ولا يحاسب الله عليها، ولا ينبغي إيلاؤها كثير أهمية


 
 
  مقالات >> فكر ديني
ظاهرة انحسار الحجاب
الشيخ حسين الخشن



 

   من جملة الظواهر التي نراها مجافية للدين ظاهرة انحسار الحجاب في المجتمعات الإسلامية، وخطورة هذه الظاهرة لا تكمن في كونها تمثّل مساراً انحدارياً للحجاب في مجتمعاتنا ما يشكّل ابتعاداً وانحرافاً سلوكياً عن تعاليم الدين، وإنّما في أنّها أصبحت تعطى تبريراً "شرعياً" عند شريحة من الناس الذين يرون أنّ الحجاب هو مجرد عادة من العادات ولا دليل شرعياً على وجوبه، أو تعطى بعداً شخصياً عند آخرين، ما جعلهم لا يتقبلون فكرة الأمر بالحجاب والدعوة إليه، لأنّ ذلك يمثل - بنظرهم – اعتداءً على حرية الأشخاص.

 

وموقفنا من هذه الظاهرة نبينه من خلال المحاور التالية: 

 

1- المنهج الصحيح في مقاربة قضية الحجاب

 

   لا يزال بعض الناس يسألون: لماذا الحجاب؟ ولماذا هو فرض على المرأة فقط دون الرجل؟ ألاّ يمثل الحجاب اضطهاداً للمرأة، وتقييداً لحريتها؟

 

   في المقابل فإنّ لك أن تسأل بطريقة أخرى: لِمَ علينا أن نقبل بالسفور؟ ألا يمثل ذلك امتهاناً لكرامة المرأة؟

 

   فأي السؤالين أحق بالإجابة عليه؟ أهو سؤال الحجاب أم سؤال السفور؟

 

   أعتقد أنّ ثمة معياراً مقبولاً يحدد وجهة البحث والسؤال الأولى بالإجابة عليه، والمعيار هو معرفة مصلحة المجتمع العامة، فهل مصلحة المجتمع بذكوره وإناثه في أن تكون المرأة متسترة أو سافرة؟

 

وبعبارة أخرى: هل الأصل هو في السفور أو في الحجاب؟

 

ولا أعتقد أنّ من الصحيح أن نكتفي بالإجابة التعبدية على هذا السؤال والتي تقول: إنّ الله هو خالق العباد والأعلم بما يصلحهم وما يفسدهم، وحيث إنّه قد أمر بالجحاب فعلينا ومن موقع إيماننا بالله أن نلتزم الحجاب، لأنّ الله ما كان ليأمر بالحجاب إلاّ لأنّ لنا فيه مصلحة وما كان ليحرم السفور إلاّ لأنّ فيه مفسدة.

 

   إننا لا نكتفي بهذه الإجابة رغم قناعتنا بصحتها، لأنّنا نريد تقديم إجابة مقنعة حتى لمن لا يؤمن بالرسالة والإسلام، كما أننا نريد للمرأة المؤمنة أن تمتلك رؤية واضحة حول فلسفة الحجاب وأهميته وضرورته، لتلتزم الحجاب من موقع القناعة لا من موقع التسليم الأعمى، وهذا المنهج في التعرف على فلسفة الأحكام الشرعيّة هو منهج قرآني أصيل، فالقرآن الكريم لم يقدم لنا الأحكام والتشريعات بشكل تعبدي مقفل، وإنّما قدمها بإسلوب التعليل والتوجيه بما في ذلك الأحكام المتصلة بالحجاب، قال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين..} (الأحزاب 59)

 

الحجاب في إطار الرؤية الاسلامية العامة

 

   وعلينا أن ننبّه هنا إلى أنّ القضايا الإسلامية الإشكاليّة، ومنها القضايا المتصلة بالمرأة كقضيّة الحجاب لا يصح أن تدرس بشكل تجزيئي (بالمفرق)، لأنّ  دراستها كذلك لن تقدم صورة كاملة عن حقيقة التصور الإسلامي إزاء القضية التي هي مورد النظر، وربما نخرج بنتائج مغايرة لحقيقة التعاليم الإسلامية، وإنّما يفترض أن تدرس – قضية الحجاب - في إطار الرؤية الإسلامية العامة حول المرأة ودورها في الحياة والتي هي بدورها جزء من الصورة الاسلامية العامة، والجزء الآخر المكمل للصورة هو وظيفة الانسان – رجلاً أو امرأة – في نظام الخلق ودوره في الحياة، ومن هنا فإننا نحكم بخطأ الذين يدرسون مسألة ميراث المرأة – مثلاً- ونقصانه عن ميراث الرجل بعيداً عن النظام الاقتصادي العام ومسؤوليات الرجل في هذا النظام وما يتحمله من أعباء مالية تفوق بكثير أعباء المرأة.

 

   وهكذا الحال في قضية الستر، فإنّ المنهج الصحيح في دراستها هو وضعها في إطار الرؤية الإسلامية العامة حول المرأة ودورها في الحياة جنباً الى جنب مع دور الرجل، هذه الرؤية القائمة على مبدأ تكريم المرأة كإنسان، ومن مقتضيات التكريم أن يتمّ التعامل معها على أساس أنّها إنسان وليست مجرد أنثى أو مجرد جسد فحسب، وهو يقتضي أن تخرج إلى المجتمع أيضاً كأنسان لا كأنثى تظهر مفاتنها أمام الجمهور، وأنا أسأل: أين كرامة المرأة وحرمتها إزاء ما يتعامل به الإعلام الدعائي معها؟ ألم تتحول المرأة إلى سلعة للدعاية إلى حد امتهانها والاتجار بجسدها؟

 

بعيداً عن ضغط الواقع

 

وعلينا أيضاً هنا أن نعالج هذه المسألة بعيداً عن ضغط الواقع وتحدياته وسهامه الموجهة إلى الحجاب ونظراته التي تحتقر الستر وتُدِيَنُه، فإنّ مقاربة قضايانا الإسلامية ذات الخصوصية الإشكالية وفق هذه الخلفيّة فضلاً عن أنّه قد ينطلق من عقدة نقصٍ أو رغبة مبالغ فيها لمسايرة الآخرين، فإنّه ينطلق من منهج خاطىء في مقاربة الأمور، والمنهج الصحيح أن ننطلق من معيار "ما ينبغي أن يكون"، لا من معيار "ما هو كائن"، وإلاّ لو انطلقنا في دراسة المسألة تحت سطوة الواقع ورهبته فقد نجد أنفسنا مضطرين ليس إلى مسايرة الواقع وحسب، بل ومدفوعين بشكل لا شعوري إلى تبرير هذا الواقع في مفاهيمه ومقولاته التي قد لا تمثل الحقيقة ولا تعبر عن مصلحة النوع الإنساني بقدر ما تعبر عن نزعات فردية أو رغبات شخصية، ولا أدري إلى أي حدٍ يستطيع الباحث أن يكون حيادياً وموضوعياً إلى هذا المستوى دون أن يقع أسير الزمان والمكان، أو تتسرب إلى عقله بعض المحركات الذاتية، لكن ما أستطيع الجزم به والتأكيد عليه أنّ أمانة الحقيقة تفرض على كل باحث أن يبذل الجهد في تجريد نفسه من الأهواء والذاتيات ليكون همه الأساس معرفة الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين} (العنكبوت: 69)، وما نقوله هنا لا يختص بحقل معرفي دون آخر، بل هو جارٍ في شتى الحقول ولا سيما علم الفقه، فإنّ الفقه الإسلامي لا يجوز أن يتحرك بمنطق تسويغ الواقع أو تحت ضغط الواقع.

 

الحجاب والحريّة الشخصيّة

 

ولا يمكننا أيضاً أن نقبل بالطرح الذي يرى أن الحجاب مسألةُ شخصية ويدخل في إطار ممارسة المرأة لحريتها الشخصية، والوجه في رفض ذلك:

 

أولاً: إنّ الحرية لا تمارس في الهواء الطلق أو في الفراغ، وإنما تُمَارَسُ في فضاء اجتماعي معين له منظومة قيمية وأخلاقية، ولذا لا بد أن تُمَارِسَ المرأة - كما الرجل - حريتها في إطار هذا المناخ الاجتماعي، أما الحرية المطلقة والمجردة عن كل قيد، فهذه أقرب إلى التفلت منها إلى مفهوم الحرية.

 

ثانياً: إنّ من يريد محاكمة الإسلام في أي حكم من أحكامه، ومنها موضوع الحجاب الذي يُدَعَّى أنّه يقيد حرية المرأة، فليس من حقه أن يحاكمه انطلاقا من قِيَم حضارة أخرى أو وفقاً لمبادئها وقوانينها، وإنما يحاكم – كغيره من التصورات- إمّا على أساس ما يتبناه هو من مبادىء، أو في ضوء المبادىء الإنسانية والعقلائية العامة، وإنّها لمفارقة عجيبة أن يُحاكم الإسلام بسبب عدم انسجامه مع مبادىء الحضارة الغربية  بينما لا تُحاكم تلك الحضارة  – مثلاً-  وفق قيمنا الحضارية!

 

ثالثاً: إنّ حجاب المرأة - كما السفور- له تأثيره الإجتماعي وارتباطه الجلي بالجنس الآخر وهو الذكر، والإنسان عندما يمارس حريته فهو لا يمارسها في الهواء الطلق، ولذا كان من الضروري أن يُلاحَظ مدى تأثير التزامه بحقه في الحرية على الأخرين، لأننّا نزعم أنّ للسفور تأثيراً سلبياً على الرجل وعلى المجتمع عامة، ولهذا لا يصح مقاربة المسألة من زاوية الحريات الشخصية فحسب، بل لا بدّ من مقاربتها من زاوية تأثيرها على المجتمع.

 

ولنا هنا أن نسأل الذين يربطون المسألة بالحرية الشخصية للمرأة بعيداً عن تأثير ذلك على المجتمع: ما رأيكم لو أنّ المرأة أرادت الخروج عارية – مثلاً- فهل يمكن القبول بذلك بحجة أنّها حرّة في جسدها ولها أن تفعل به ما تشاء؟!

 

   أتسمح الأنظمة التي تنادي بحرية المرأة أن تخرج المرأة عارية أو يخرج الرجل عارياً؟ والجواب بالنفي، لماذا؟ لأنّ ذلك يخدش الحياء العام ويخلق في المجتمع حالة من الاستنفار الجنسي والغرائزي، وإذا كان هناك رفض شبه عام عند معظم الناس ولو كانوا غير مسلمين للتعري التام، فهذا يعني أنَّ مبدأ التستر صحيح، وأنّ المسألة ليست مسألة حرية شخصية، لأن المرأة لا تمارس حريتها في فضاء معزول عن الناس.

 

إننا نعتقد أنّه ليس مسموحا للمرأة – كما الرجل-  تحت عنوان الحرية الشخصية أن تسيء الى الأمن الأخلاقي للمجتمع، تماماً كما لا يسمح للإنسان أن يسيء الى الأمن العام للمجتمع بحجة أنه حر، ألم يقولوا: إنّ حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين..
هل لنا أن نفرض الحجاب؟

 

في حال اقرارنا بأنّ مسألة الستر ليست داخلة في نطاق الحريات الشخصية المحضة فلا يكون مستغرباً بعد ذلك أن يأمر الاسلام بالحجاب ويعتبره واجباً، وبالتالي يكون حاله حال سائر الواجبات، ومن الطبيعي حينئذ أن يتحمّل الآباء والأمهات مسؤلية حثِّ بناتهن وحملهن على ارتداء الحجاب، كما يتعاملون مع أبنائهم في موضوع الصلاة - مثلاً- حيث يأمرونهم بالصلاة على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} (التحريم: 6)، لكن التشريع لا يسمح للأبوين باستخدام أسلوب التعنيف والضرب مع البنت لعدم التزامها بالحجاب، على أنّ هذا الاسلوب ليس صحيحاً من الناحيّة التربوية، وهو بالتأكيد لن يجدي نفعاً في تحقيق الهدف المنشود من فرض الحجاب .

 

وهكذا فإنّ القضيّة لا تُعالج بمنطق الأوامر الاعتباطيّة الفوقيّة الشبيهة بالقرارات العسكرية، وإنّما لا بدّ من اعتماد أسلوب اقناعي تربوي محبب يبشر ولا ينفر، لأنّ مشكلة الكثير من الآباء والأمهات أنّهم لا يستطيعون إقناع الأولاد بما هم عليه من عادات وتقاليد، فيعمدون إلى لغة الفرض والإجبار، وقد تحاول بعض الأمهات فرض طريقتها الخاصة وعاداتها في لبس الحجاب على بنتها، وهذا خطأ فادح، لأنّ هذا الأمر يدخل في نطاق المتحرك، كما يستفاد مما روي عن الإمام علي (ع): "لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.."، وسيأتي مزيد توضيح لذلك.

 

2- فلسفة الحجاب 

 

مع تأكيدنا على ما سلف من أنّ مسألة الحجاب لا تقارب من زاوية الحرية الشخصية فحسب، لأنّ لها بُعْداً اجتماعياً، باعتبار أنّ السفور- وكذا الحجاب- ليس عملاً تمارسه المرأة داخل بيتها لِتُتْرَكَ وشأنَها، وإنّما تخرج بذلك إلى الشارع لتواجه الناس جميعاً، فإننا نحاول بيان وجهة نظرنا حول أهميّة الحجاب وضرورته من خلال الوجوه التالية التي نسوقها تباعاً، مع التنبيه على أنّ الباب يبقى مفتوحاً للنقاش الحر وليس مقفلاً على التفكير والمدارسة، والوجوه التي نطرحها هي ما يلي:  

 

أولاً: الحجاب وتحقيق الأمن الأخلاقي

 

 غير خافٍ أنّ الإسلام قد اهتم اهتماماً بالغاً بحماية الاستقرار الأخلاقي للمجتمعات حتى لا يقع الناس في الفوضى الجنسية، وغير خافٍ أيضاً أنّ لدى الإنسان غريزةً جنسية وهي بحاجة إلى إشباع، وقد كان الإسلام واقعياً في تشريعاته، فاعترف بهذه الغريزة وأمّن لها متطلباتها ولم يدع إلى قمعها كما فعلت بعض المدارس الأخرى، لكنّه أراد لهذه الغريزة أن تتحرك بالشكل الذي لا يسيء إلى الإنسان، ذكراً كان أو أثنى، ومن هنا كان المحلّ الطبيعي لإشباع هذه الغريزة هو الزواج، فحرّم الزنا والشذوذ الجنسي، لأنه يمثل انحرافاً عن الخط السوي.

 

 ومنعاً للفوضى الجنسية هذه فقد اتخذ المشرع الاسلامي جملةً من الإجراءات التي تساهم في تحقيق العفة والاستقرار الأخلاقي، ولا يخفى أنّ للغريزة الجنسية عناصر إثارة ومفاتيح معينة، ولهذا فإذا أُريد ضبط الغريزة حتى لا يحصل التفلت الأخلاقي وتشيع الفاحشة والدعارة وينتشر الزنا كان لا بدّ من سدّ الأبواب التي تؤدي إلى الفاحشة والتفلت الغريزي، ومن هذه الأبواب – مثلاً- باب الخلوة بين المرأة والرجل الأجنبيين، ومن أهم هذه الأبواب أيضاً باب السفور.

 

   وفي هذا السياق جاء الحجاب كوسيلة من وسائل الضبط الأخلاقي وتنظيم حركة الغريزة، فمغزى الأمر بالحجاب هو أن محل تحريك الغريزة ومجالها الرحب هو الحياة الزوجية، فالمرأة مع زوجها، والزوج مع زوجته لا حدود للعلاقة الخاصة بينهما، أما المجتمع فله ضوابطه ولا بدّ من حمايته من التفلت الأخلاقي.

 

   فالحجاب إذن يهدف إلى حماية الأمن الأخلاقي  للمجتمع الذي تخرقه المرأة غير المحتشمة في ارتدائها للباس الفاضح والمثير ولو كان ذلك عن غير قصد منها، فإنّ هذه الأمور لا يُتعامل فيها على أساس النوايا الحسنة، فضلا عن السيئة، وقد ورد  في الحديث عن السيد المسيح(ع): " إنّ موسى نبي الله(ع) أمركم أن لا تزنوا وأنا آمركم أن لا  تحدثوا أنفسكم بالزنا فضلا عن أن تزنوا" .

 

   فكيف للرجل ولا سيما في ظروفنا الحالية وعصرنا الراهن (وهو العصر الذي يتأخر فيه سنُّ  الزواج وتكثر أسباب إثارة الشهوة) أن لا يحدّث نفسه بالزنا وهو محاطٌ بكل هذا التفنن في إبراز مفاتن المرأة والذي سيخلق لديه حالة من الطوارئ الغريزية، وربما يدفعه إلى التحرش بالمرأة.

 

وخلاصة القول: إنّه لا شك في أنّ الحجاب يُساهم في تعزيز المناعة الأخلاقية، باعتبار أنّ السفور ولا سيما الفاضح منه هو مدخل إلى التفلت الأخلاقي. صحيح أنك  قد  ترى في المجتمع المسلم الذي ترتدي نساؤه الحجاب والعباءة بعض الانحراف على الصعيد الجنسي، لكنه على العموم يبقى أقلَّ تفلتاً وأبعدَ عن مفاسد الرذيلة التي تنتشر في المجتمع الذي أباح السفور ورفع كل الموانع أمام الغريزة.  

 

   على أنّ المشكلة هنا لا تكمن في التشريع، بل في سوء تطبيقه، وفي الابتعاد عن روحه ومقاصده، وفي عدم تثقيف الأمة عليه، فإنّ مشكلتنا في كثير من الأحيان أنّ الحجاب صار موضةً أو عادةً أو زياً اجتماعياً ولم تَعُدِ المرأةُ المحجبة، فضلاً عن غيرها تعي مغزى الحجاب وهدفه. 
إنّ الهدف الحقيقي من تشريع الحجاب هو حماية عفة المرأة والرجل على السواء، فالمرأة المحجبة التي تمارس عكس ما يدعوها الحجاب إليه من عفة وطهارة هي في الروح سافرة وإن كانت في الظاهر محجبة، بل هي في الواقع أسوأ حالاً من السافرة، لإنّها تسيء بأفعالها الشنيعة إلى الحجاب والمحجبات.

 

 لماذا المرأة؟

 

   وقد تقول: إنّ الأمن الإخلاقي ليس ضريبة على المرأة، فلماذا يفرض الحجاب عليها فقط دون الرجل؟

 

   والجواب: صحيحٌ أنّ تحقيقَ الأمن الأخلاقي ليس حكراً على المرأة ولا أنّ العفة ضريبة عليها، فالرجل ملزم أيضا بالحشمة والعفة ومطلوب منه ارتداء نوع من الحجاب والستر، إذ لا يجوز له التعري ولا اللبس المنافي للاحتشام، حتى أنّ بعض الفقهاء يفتي بوجوب التستر على الرجل فيما هو أزيد من ستر العورة المتعارفة إذا كان خروجه كذلك يشكل فتنةً للمرأة، ويمكن أيضا للحاكم الشرعي أن يمنع الرجل من ارتداء لباس الشهرة أو اللباس الذي ينافي الأخلاق العامة، أو يشكل عنصر إثارة للنساء، لأنّه كما أنّ المرأة تشكّل عنصر إثارة للرجل، فالعكس صحيح أيضاً.

 

   ولكن يبقى للمرأة خصوصيتها، لأنّها تمثل بحسب طبيعتها وبحسب نظرة الرجل إليها وميوله الغريزية اتجاهها عنصر الإثارة الأكبر وعنصر الجذب، ولهذا كان التركيز في التشريع الإسلامي على حجابها، ولا سيّما أنّ المرأة تميل إلى الحلية والزينة، وجاءت النظرة الاجتماعية تجاه المرأة لتركَّزَ هذا المعنى في شخصيتها،  ليغدوَ الجمالُ هو القيمة الأساسية عند المرأة، قال تعالى: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} (الزخرف: 18). قد لا يكون هذا الأمر- أعني تنشئة المرأة في الحِلْيَة- عنصراً سلبياً بالمطلق، فهو ينسجمُ مع ميولها ورغباتها، إلا أنّ ذلك استدعى تركيز التشريع على حجابها وسترها وعفتها وحيائها. 

 

  باختصار إنّ التأكيد  على حجاب المرأة مرده إلى: 

 

1- أنّ المرأة مثلت في كل هذا الواقع التاريخي وإلى يومنا هذا عنصر الإغراء والإثارة، كما عكس ذلك  الأدب والشعر والاعلام .

 

2- أنّ الرجل أقرب وأسرع في الإثارة الغرائزية من المرأة.

 

3- ولكن مع ذلك لم يسمح الإسلام للرجل بالتعري أو ارتداء اللباس بطريقة مثيرة، فواجبه أن يتستر بطريقة لا تبعث على فتنة النساء به.

 

ثانيا:الحجاب وحفظ كرامة المرأة:

 

   إنّ مشكلة السفور أنّه مهّدَ لفكرة التعامل مع المرأة باعتبارها جسداً وعنصر إثارة، والعملُ على تقديم المرأة على هذا الأساس لهو أكبر امتهان لها وانتهاك لكرامتها وإنسانيتها، وهكذا شكَّل السفور المدخل إلى تحويل المرأة إلى وسيلة للاتجار والإغراء، فغدت جاذبية المرأة في مفاتن جسدها لا بمقدار وعيها وقدرتها على العطاء.

 

 وهذا ما نلاحظه في مسار السفور التاريخي فإنّه قد انحدر يوماً بعد يوم، إلى أن وصل الأمر إلى الدرك الأسفل وما يشبه التعري، ولم يقف عند حد معين، بينما يمثل الحجاب في نظرنا عنواناً لحماية المرأة وحفظ إنسانيتها، إنّ المحجبة يُعَلِّمُها الحجابُ أنْ تقول للناس، للرجال والنساء وللمجتمع كله: أنا إنسان، وتعاملوا معي كإنسانة، لا كعنصر إثارة، وليس بلحاظ ما امتلكه من مفاتن.

 

   إننا عندما نقرأ ونسمع عن الإحصاءات بشأن ما يبذل من أموال على عمليات تجميل المرأة، وما يصرف على زينتها ووسائل تبرجها التي تخرج بها إلى الناس نشعر أننا أمام ظاهرة غير طبيعية، ظاهرة مخيفة تعمل على تسليع المرأة وتفريغها من كل معاني الكرامة والانسانية، صحيح أنّ الإسلام يدعو المرأة- كما الرجل- إلى الاهتمام بجمالها وزينتها، لكن زينتها وتبرجها لا يجوز أن يتحول إلى هدف أصيل لا يرقى إليه في درجة الاهتمام هدف آخر، وإلاّ فأين الجمال الأخلاقي وجمال الروح؟ 

 

   إننا بحاجة إلى تصحيح نظرتنا إلى المرأة ودورها في الحياة، لأنّ أخشى ما نخشاه أننا أمام شعاراتٍ تُمَجِّدُ المرأةَ وتنادي بحريتها ولكنّها تبقى شعارات فارغة من المضمون، والحقيقة أنّ ما يجري هو سوق نخاسة جديد تباع فيه النساء بطريقة جديدة، بل نحن أمام عملية وأدٍ للمرأة قد لا تقل بشاعة عن عمليات الوأد التي كانت تمارس في الجاهلية، لكنْ مع فارق، وهو أنّ الوأد الجاهلي كانت تدفن فيه المرأة ويوضع بذلك حدٌ لحياتها، أمّا الوأد المعاصر فتدفن فيه كرامة المرأة مع بقائها هي على قيد الحياة! 

 

   إنّ هذا الكلام لا يعني بحال أنّ المرأة المحجبة مصانة الكرامة أو أنّها قد نالت حقوقها وتمّ احترام إنسانيتها، كلا فالمجتمع الشرقي والمسلم لا يزال يضطهد المرأة بأشكال شتى من الاضطهاد، وعليها أن تناضل وتكافح على أكثر من جبهة لتنال كرامتها وتنتزع حقوقها وتؤكد إنسانيتها.

 

ثالثا: الحجاب وحماية المرأة 

 

أولاً: هو يحميها من التحرش، ومن كل نظرات السوء التي تلاحقها، وربما انجر الأمر إلى الاغتصاب الذي لا تزال تتعرض له المرأة، حتى في الدول التي تعتبر نفسها متحضرة، كما تؤكد ذلك الإحصاءات، لأنّ الرجل إذا رأى المرأة ملتزمة بحجابها فسوف لن يكون لديه الجرأة على التحرش بها، مثل جرأته على التحرش الجنسي بالمرأة السافرة، فكأنّ السفور هو داعية للتحرش، وهذا ما تؤكده الوقائع والإحصاءات.

 

في ضوء ما تقدم يتضح أنّ السؤال لا ينبغي أن يتوجه إلى الستر والحجاب، بل إلى السفور والتعري.

 

 ثانياً: وهو يحميها أيضاً من التوتر الذي تعيشه المرأة السافرة باستمرار نتيجة انهماكها المستمر في أمر التبرج وقلقها الدائم بشأن لباسها وزينتها ومظهرها، وكيف سيستقبلها الناس، وماذا سيقولون عنها وعن قصّة شعرها و "الموديل" الذي اختارته، إنّ هذا الاهتمام سيضْعُفُ ويخفُّ كثيراً بالنسبة للمرأة المحجبة، لأنّ طبيعة الحجاب تخفف عليها  الكثير من الأعباء، دون أن نُنكر مشروعية أنْ تهتم المرأة المحجبة في مظهرها وأناقتها، لكنّ هذا الاهتمام شيء، وذاك الإنهماك لدى السافرة شيء آخر.

 

   ثالثاً: إنّه يخفِّف عنها الكثير من الأعباء الماليّة، أفهل تساءلنا عن الأموال التي تُنفقها المرأة السافرة على جسدها الذي ستواجه به الناس في السهرات وفي العمل وفي الشارع؟! وما تنفقه على المكياج والعطور وتصفيف الشعر؟! صحيح أن المرأة المحجبة تفعل بعضاً من ذلك، وربما يُستحسن أن تفعل ذلك، ولكنّها تفعله في نطاق محدود وهو بيتها، وليس كلما خرجت إلى الدكان أو المدرسة أو السوق .

 

 هل تساءلنا عن الأموال الطائلة التي تنفق على عمليات التجميل! هل تساءلنا عن الأموال التي تنفقها النساء غير المحجبات على فساتين السهرة، لأنها لا تخرج في لباس واحد لمدة يومين على سبيل المثال، ونحن نعلم أنّ إنفاق المال في الإسلام له حدود، صحيح أنّ للإنسان الحق في أنْ يتنعم بالمال، و "أنّ الله يحب إذا أنعم على عبد أن يرى أثر نعمته عليه ويبغض البؤس والتباؤس"، كما ورد في الحديث النبوي الشريف ، لكنْ شرط أنْ لا يصل ذلك إلى حد الإسراف والتبذير، وما أكثر التبذير عند النساء في أمر اللباس والأحذية والزينة؟! ورد في الحديث عن الإمام الصادق (ع): "أدنى الاسراف هراقة فضل الماء وابتذال ثوب الصون وإلقاء النوى" ، وفي الحديث الآخر عن رسول الله (ص): "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وشبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن حبنا أهل البيت (ع)"

 

رابعا: الحجاب وحماية الحياة الزوجية والأسرية:

 

   إنّ من يتأمل في الأسباب الكامنة وراء فشل الكثير من العلاقات الزوجية، أو وراء المشاكل الأسرية الآخذة بالتزايد، الأمر الذي يرفع ويزيد من حالات الطلاق إلى مستوى غير معهود سيكتشف أنّ لذلك أسباباً عديدة ويأتي على رأسها: انعدام الثقة بين الزوجين، وعدم توفر الانسجام الجنسي بينهما، وإهمال الرجل لواجباته تجاه زوجته وتطلعه إلى النساء الأخريات، الأمر الذي ينعكس تقصيراً اتجاه زوجته، ومن الواضح أنّ أجواء السفور المشحونة بعناصر الإثارة ستزيد من تعلّق الرجل بالمرأة الأخرى التي قد تستهويه وتجذبه أكثر مما تستهويه زوجته، وهو ما يؤثر سلباً على علاقته بزوجته . 

 

   والحجاب هنا - معطوفاً على جملة من التعاليم التي تؤكد على فضيلة العفة - من المفترض أنْ يُخَفِّفَ من أجواء الإثارة تلك والتي تعتبر مفتاح الدخول في الحرام وسبباً في تطلع الرجل إلى غير زوجته، ومن هنا اهتم الإسلام واعتنى حتى بالنظرة فدعا إلى تنزيهه عن الخيانة، ففي الدعاء المأثور: "اللهم طهّر قلبي من النفاق.. وعيني من الخيانة" ، وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع): "النظرة سهم من سهام إبليس مسموم فكم من نظرة أورثت حسرة" ، وتتحدّث روايات أخرى عن النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) عن: أنّ لكلِّ جارحةٍ حظاً من الزنا "فزنا العينين النظر وزنا الفم القبلة وزنا اليدين اللمس" .

 

   إذن فالسفور ولا سيّما عندما يصل إلى حدّ التهتك سوف يساهم في إفساد كل من الرجل والمرأة وبالتالي إفساد علاقتهما، أمّا المرأة فلإنّه سيكثر التحرش بها أو محاولة مغازلتها وقد تقع فريسة بعض الرجال، أمّا الرجل فباعتبار أنّه أكثر استجابة للإثارة عندما يرى هذه المشاهد أمامه، وهذا ما يشدُّه إلى غير زوجته، وهذا كله سوف ينعكس سلباً على الحياة الزوجية ويؤثر على استقرار الأسرة أيضاً.      

 

   مرةً أخرى أُنبّه إلى أنني لا أريدُ القولَ إنّ هذه المشاكل لا تَحْدُث في الأسر التي تلتزم فيها المرأة بالحجاب، ولكنَّ وقوع ذلك هو بنسبة أقل، ولندعْ الإحصاءات تتحدث وتتكلم، فقد استمعت لمرتين مختلفتين زمناً وعلى محطتين فضائيتين علمانيتين لتقرير حول السفور والتحرش بالمرأة، وكان السؤال يتوجه إلى الشباب: هل تتحرش بالسافرة؟ وأجاب الكثيرون: نعم، وعندما سئل: هل تتحرش بالمحجبة؟ كان جواب الجميع: كلا، فالحجاب إذن يشكّل سياجاً وحصناً لحماية المرأة ودفع الأذى عنها.

 

   في ضوء ما تقدم، قد يكون من المناسب أن نطلق السؤال في وجه معارضي الحجاب لنقول لهم: لماذا نضع قضية ستر المرأة وحجابها تحت السؤال؟ لماذا لا نضع قضية التعري أو عدم الاحتشام تحت السؤال؟

 

3- معارضو الحجاب ومبرراتهم: 

 

وعلينا أن نرصد - في المقابل- المبررات التي يسوقها الرافضون للحجاب ويتعللون بها لاثبات وجهة نظرهم، وما يسوقه هؤلاء من وجوه يمكن تلخيصه بأمورٍ أهمّها:

 

1- أنّ الحجاب يمثل اضطهاداً للمرأة وقمعاً لحريتها وحبساً لها.

 

2- وربما يطرح البعض من معارضي الحجاب أنّه لا وجود لنصٍّ شرعي من القرآن الكريم يُلزِمُ المرأة المسلمة بارتداء الحجاب .

 

3- إنّ الحجاب فيه تعدٍ على حرية المرأة الشخصيّة، فلماذا تلزمونها بأمر لا تريده؟ فليترك الأمر إلى اختيارها، إن أحبت أن تلبس الحجاب فلها ذلك، وإن شاءت السفور فلها الحرية في ذلك أيضاً.

 

وبما أنّ الوجه الثالث أو الشبهة الثالثة قد أجبنا عليها فيما سبق، فإننا فيما يلي نجيب على الوجهين الأولين، أو الشبهتين الأوليين.

 

أولاً :الحجاب وقمع المرأة 

 

   إنّنا في الوقت الذي نقدّم فيه الحجاب على أنّه رمز كرامة المرأة وعفتها فلا يخفى علينا أنّ ثمة نظرة مغايرة ولا سيما في بلاد الغرب ترى في الحجاب علامة بؤس عند المرأة المسلمة ومؤشراً على قمعها، بعبارة أخرى: الحجاب سجن للمرأة وحبس لجمالها وطاقاتها..

 

   وعلينا أن نؤكِّد لهؤلاء بالفعل لا بالقول أنّ المرأة الملتزمة بحجابها لا تعيش البؤس، وإنّما تعيش الفرح الروحي من خلال التزامها بعفتها، وأنّ الحجاب لا يعيق المرأة عن العمل والحركة الفاعلة في شتى مجالات النشاط الإنساني، فلقد انطلقت المرأة المسلمة في تاريخنا إلى جانب رسول الله (ص) في حروبه ومواقفه ومع علي(ع) في مسيرته الجهادية، ومع الحسين(ع) في نهضته وكان لها الدور الكبير في تحريك الجمهور للثورة على الطاغية يزيد، وفي تاريخنا القريب وجدنا أنّ حجاب المرأة الإيرانية لم يمنعها من أن تقود مع الرجال الثورة وتساهم في إسقاط أكبر دكتاتوريات القرن العشرين، وهكذا توالى حضور المرأة المسلمة في شتى الساحات الإسلامية في لبنان والعراق وغيرها من الساحات .

 

   ولا بدّ أن نلحَّ على المرأة المحجبة أن لا تَضْعُف تحت وطأة النظرات القاسية التي تلاحقها والكلمات النابية التي توجه إليها، إنّها ومن خلال عزيمتها وإصرارها وثقتها بنفسها ستعطي العَالَم درساً في أنّ عليه أن يعتاد على الحجاب ويألفه، لأنّ مشكلة الكثيرين أنهم ألفوا السفور، فأنكروا الحجاب.

 

خلقت ألوفاً فلو رجعت إلى الصبا     لفارقت شيبي موجع القلب باكياً

 

هذا ولربما كان السبب في النظرة السلبية للحجاب واعتباره رمزاً لقمع المرأة هو أحد أمرين (ولا دخل للنص الشرعي في ذلك إطلاقاً، والممارسة التاريخية للمسلمات تشهد أن الحجاب لم يشكل عائقاً أمام قيام المرأة بواجبها الاجتماعي والسياسي):

 

1- العادات والتقاليد التي لا تزال تفرض نفسها على المرأة المحجبة، وإنّ جرائم الشرف التي لا تزال تتعرّض لها المرأة هي خير مثال على استمرارية تحكّم العادات الجاهلية في مجتمعاتنا.

 

2- بعض الاجتهادات التي شرعنت ما يمكن تسميته حبس المرأة من قبيل الفتوى بعد جواز خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، أو اعتبار المرأة عورة يجب سترها، ولا سيّما عند القائلين بوجوب الوجه والكفين. 

 

 هل المرأة عورة؟

 

وربما يكون الفهم القاصر لبعض النصوص سبباً ثالثاً وراء تلك النظرة السلبية نحو المرأة وحجابها، وذلك من قبيل النص القائل: "إنّ المرأة عورة" ، وهو حديث لو صح فإنّه لا يهدف إلى ذمّ المرأة أو تحقير جسدها، لأنّ جمال المرأة لا ينكره أحد، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (ع): "المرأة ريحانة" ، فاستخدام لفظ العورة لا يراد منه التحقير والذم، أو الإيحاء بأنّ جسدها مستقبح، وتوضيح ذلك:

 

 أنّ العورة في الأصل مأخوذة لغة من العوار وهو "خرقُ أو شقٌ يكون في الثوب" ، والعورة: "كل خلل يُتخوَّف منه ثغر أو حرب" ، "وكأنّ العورة شيء ينبغي مراقبته لخلوّه، وعلى ذلك فُسِّرَ قوله تعالى: {يقولون بيوتنا عورة} (الأحزاب: 13)، وعليه فإنّ جسد المرأة هو عورة بهذا المعنى، لأنّه يتخوف في حال كشفه وإبرازه عليها، بأن تتعرض للأذى، فهو يُستر لتحمى هي، كما تسُتر البيوت لأجل حمايتها وتحصينها من اللصوص، وإذا كان لفظ العورة يختزن في الفهم العرفي والدلالة اللغوية معنى آخر وهو "ما يُستحيى منه"  فهذا المعنى أيضاً مقبول، ويكون اطلاقه في الأحاديث على المرأة مفهوماً أيضا، باعتبار أنّ ذلك يهدف إلى تشجيع المرأة على الستر والحجاب، والعفة والحياء، وبهذ المعنى فإنّ الرجل يشترك مع المرأة في ضرورة اجتنابه للباس الفاضح الذي لا يناسب قيمة العفة والحياء، لأنّ التهتك كما يعيب المرأة عندما تظهر جسدها، فإنّه يعيب الرجل أيضاً ، لأنّ جزءاً لا بأس به من جسد الرجل هو عورة بهذا المعنى وعليه ستره، لأنّ إظهاره معيب. 

 

 ثانيا:  دليل وجوب الحجاب

 

يمكننا الاستدلال على وجوب الستر بدليلين أساسيين، هما الكتاب والسنة.

 

   أولاً: من القرآن :

 

 اشتمل القرآن الكريم على عدة آيات تدلّ على وجوب الحجاب نذكر بعضها:

 

1- قال تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبنائهن...ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن..} (النور 31).

 

وموضع الاستدلال في هذه الآية هو فقرتان :

 

الأولى: قوله: { ولا يبدين زينتهن إلاّ ما ظهر منها}، فإنّ في تفسيرالزينة التي نهى الله عن إبدائها رأيين:

 

الأول: أن يُراد بها الزينة الطبيعيّة، أي مواضع الزينة، فتكون دلالة الآية على لزوم ستر مفاتن الجسد واضحة ومُبَاشِرَة، وهذا التفسير توحي به بعض الروايات وهي رواية الفضيل، قال سألت أبا عبد الله(ع) عن الذراعين من المرأة، أهما من الزينة التي قال الله تبارك وتعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} ؟ قال: نعم،  وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين" ، وقوله (ع): "ما دون الخمار"، يعني ما يستره الخمار من الرأس والرقبة، وقوله: "ما دون السوارين" أي ما دون الكفين، فتشمل الساعدين والعضدين .

 

 الثاني: أن يُراد بالزينة معناها الظاهر، وهي الزينة الخارجيّة المعروفة التي تضعها النسوة على أجسادهن، والنهي عن إظهار الزينة ملازم للنهي عن إظهار مواضعها، لأنّ  كشف الزينة متلازم مع كشف مواضعها وبعض الروايات الواردة عن الأئمة(ع) تشهد للتفسير الثاني .

 

الثانية: قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، فإنّ الخُمُرَ جمع خمار، وهي أغطية الرأس، والجيوب هي فتحة القميص، والمراد بها الصدر من باب إطلاق اسم الحال على المحل، ويلاحظ أنّ الآية لم تأمر النساء بارتداء الخمار، وإنّما أمرت بإلقائه على الجيوب، ما يعني أنّها تفرض الخمار موجوداً ولكنّها تأمر بارتدائه بكيفية خاصة، وهي ستر الجيوب به، وهذا المعنى يتضح جلياً من خلال الرجوع إلى عادة النساء إبان نزول الآية، مما ذكرته المصادر التاريخية، حيث قيل: إن جيوب النساء في الجاهلية كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها وكنّ يسدلن الخُمُرَ من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأُمِرْنَ أن يَسْدُلْنَها من قدامهن حتى يغطينها ، وهذا ما يستفاد من بعض روايات أهل البيت (ع)، فقد جاء في الكافي في سبب نزول الآية رواية معتبرة عن الإمام الباقر (ع)، قال: "استقبل شاب من الأنصار إمرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة" 

 

2- إنّ المناخ القرآني العام يوحي بوجوب الستر والعفة ، وذلك يتضح من خلال التأمل في جملة من الآيات القرآنية، من قبيل قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض}،(الأحزاب: 32)، فإن المرأة إذا كانت مدعوّةً في أسلوب تخاطبها مع الرجال الأجانب إلى التزام الكلام المتزن والبعيد عن الإغراء، فكيف يُسمح لها بكشف مفاتنها التي هي أشد وقعاً في إغراء الرجال وإثارتهن من مجرد الكلمات؟! .

 

ونحوه في الدلالة قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، (النور: 31)، فإذا كان ضرب الأرجل بالأرض بهدف إلفات نظر الرجال وإثارتهم محرماً، فيستفاد من ذلك أنّ كل ما يحقق الإثارة هو أمر محرّم ولا يرضى به المشرع الإسلامي. 

 

ونحوه أيضاً قوله تعالى: {والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحاً ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة}،(النور: 60)، فهذه الآية رخّصت في التخفّف من اللباس للنساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، وهنّ اللواتي بلغن سناً لا يرغب بهن الرجال ولا يرغبن بالرجال، وهذا معناه أنّ النساء اللاتي لا زِلْنَ في سنٍ يَرْغَبُ بهن الرجال ويرغبن في الرجال فلا يجوز لهن التكشف أمام الرجال الأجانب، إلا ما خرج بالدليل من الوجه والكفين وظاهر القدمين .

 

  ثانياً: من السنة: 

 

   ثمّ لو أنّ القرآن الكريم - من خلال الآيات المتقدمة - كان فيه شيء من الإجمال في أمر الحجاب وتفاصيل الستر، فإنّ السنة الشريفة توضّح ذلك بما لا لبس فيه، ولا يخفى أنّ الروايات الواردة من طرق السنة والشيعة تدلُّ بوضوح على أنّ وجوب الستر هو أمرٌ مفروغ منه، وإنّما محط النظر- في تلك الروايات - هو في التفاصيل، كتغطية الوجه وعدمها، وقبل أن نشير إلى بعض هذه الروايات لا بد أن ننبه إلى مسألة مهمة تتصل بتصحيح خللٍ منهجي، يتصل بمرجعية السُّنة النبوية الشريفة في عملية إثبات الأحكامة الشرعية.

 

وقفة مع القرآنيين الجدد

 

  فقد ظهرت في الآونة الأخيرة جماعة فكريّة أطلقت على نفسها اسم "القرآنيون"، وقد اعتبر هؤلاء أنّ القرآن الكريم هو المرجعية الوحيدة، ورفضوا الرجوع إلى السنة، ولذا فإنّهم يطلبون لتبني أي حكم أو مفهوم شرعي آيةً من كتاب الله، فإذا لم يوجد على هذا الأمر أو ذاك آيةٌ من الكتاب، فإنّهم لا يؤمنون به، والوجه في خطأ هذا المنهج ، أنّ القرآن الكريم لم يتكفل ببيان كل أحكام الشريعة وتفاصيلها، وإنّما طرح - في الأعم الأغلب - الكليّات، وأرجع في التفاصيل إلى النبي(ص)، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم} (النحل 44). وقال في آية أخرى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ( الحشر7).

 

 وأنا أعتقد أنّ المنهج المشار إليه الذي يطلب آيةً قرآنيةً على كل حكم من الأحكام، كشرطٍ للإيمان به، هو منهجٌ لا يفتقر إلى الحجَّة القرآنية فحسب، بل إنّه مخالفٌ ومنافٍ للقرآن نفسه، باعتبار أنّ مرجعية السنة وحجيتها ثابتة بالقرآن الكريم، من خلال الآيات المتقدمة وغيرها من الآيات التي نصّت على ضرورة الأخذ بما قاله النبي (ص) أو فَعَلَه والانتهاء عما نهى عنه أو تركه، فأية محاولة للتفلت من السنة هي في حقيقة الأمر محاولة للتفلت من القرآن نفسه، وسوف نذكر في بعض الوقفات الآتية أنّ هذا الأمر - وهو الاكتفاء بالقرآن دون السنة – هو من أشكال هجر القرآن الكريم.

 

أجل ثمة كلام مقبول وصحيح في المقام، وهو أنّ مرجعية السُّنة لا ترقى إلى مستوى مرجعية القرآن، لأنّ السنة - في مجملها - شارحةٌ للقرآن، كما أنّها لم تَسْلَمْ من الدس والتزوير، بخلاف القرآن الكريم، فإنّه مصونٌ من كل أشكال التحريف والتزوير، ولهذا أصبح - أي القرآن - معياراً أساسياً لتقييم السنة ومعرفةِ صحيحها من ضعيفها وغثّها من سمينها.

 

روايات الحجاب 

 

وأما الروايات الدالة على وجوب الستر والحجاب، فهي كثيرة ومستفيضة، وبعضها يدلُّ على هذا الحكم بالصراحة، وبعضها بالملازمة، ولا شكَّ في حصول الوثوق بصدور مضمون هذه الأخبار عن النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)، فمن هذه الروايات: صحيحة الفضيل المتقدمة، ومنها: صحيحة مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر وسئل عما تظهره المرأة من زينتها ؟ قال : "الوجه والكفين" . إلى غير ذلك من الروايات الواردة من طرق الشيعة والسنة . 

 

4- ظاهرة السفور : الأسباب والعلاج

 

  غير خافٍ أنّ السفور يزداد يوماً بعد يوم، حتى صرنا نشهد في بعض المجتمعات سفوراً فاضحاً وصل إلى حدِّ التهتك، وعَرْض المفاتن بطريقة مسفَّة تجاوزت كل الآداب والقيم والتصورات.

 

   وأخطر ما في الأمر أنَّ هذا السفور قد تحول إلى ممارسة تستند إلى خلفية ثقافية ترى أنّ ذلك حق من حقوق المرأة، وأخطر من ذلك أنّ السفور غدا أمراً مألوفاً نتعايش معه دون أن نشعر بأنّه يُمثِّل انحداراً في الأخلاق الدينية والإنسانية، ولا شك أنّ أسوأ مرحلة يصل إليها المنكر هي أن يغدو أمراً عادياً وطبيعياً ولا يستنفر المشاعر، ولعل هذا ما نبّه عليه النبي الأكرم (ص) فيما روي عنه: "كيف بكم إذا فسد نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟! فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟! قال: نعم وشر من ذلك! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟!  قيل: يا رسول الله ويكون ذلك؟! قال: نعم وشر من ذلك! كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟!" .

 

في الأسباب:

 

   لا شك أنّ للسفور أسباباً مختلفة، ومن الطبيعي أنّ علينا أن نتعرفّ على هذه الأسباب  في سعينا نحو محاصرة ظاهرة السفور، ومن هذه الأسباب:

 

1- التأثر بالآخر، حيث إنّ السفور هو الظاهرة المنتشرة في العالم، وكما غزتنا الكثير من العادات والتقاليد الوافدة، فإنّ السفور أيضاً غزا مجتمعاتنا، وقد انطلقت منذ أمدٍ بعيد الدعواتُ إلى تحرير المرأة، وافترض البعض أنّ تحريرها يكون بتحررها من الحجاب، وكأنّ الحجاب عائقٌ أمام حرية المرأة وانطلاقها أو قيامها بدورها في الحياة، وهذا خطأ فادح بكل تأكيد، فالحرية تكون من داخل النفوس، ولم تكن الحرية ولن تكون بشكل اللباس، إنّ المشكلة هي في عقدة التغرّب وعقدة الانبهار والانسحاق أمام الآخر، الذي أعطى المرأة حريتها بلا شك، لكنه عمل من جهة أخرى على تسليع المرأة وتحويلها إلى مجرد عنصر للإثارة.

 

2- الضعف الثقافي والروحي والتربوي في موضوع الحجاب، فنحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة الحجاب والستر، وليس صحيحاً أن نلزم بناتنا بارتداء الحجاب دون أن نشرح لهنَّ معنى الحجاب، ودون أن نقنعهنّ بأهمية الحجاب وأنّه يشكَّل ضرورة لهنَّ ويساهم في حفظ كرامتهن، وذلك أمام موجات التشكيك في جدواه..

 

   إنّ هذا الضعف الثقافي والتربوي في مسألة الحجاب - مضافاً إلى اجتياح موجة السفور- كان له تأثيرٌ بالغٌ على مجتمعاتنا، فصار البعض من المؤمنين رجالاً ونساء لا يجدُ غضاضةً في سفور ابنته أو زوجته ولا يرى في ذلك ما ينتقص من إيمانه، بل ربما شجع بعض الناس ابنته على ترك الحجاب، بحجة أنّ ذلك أسرع في زواجها، وهكذا أصبح قبول المرأة في بعض المهام أو الوظائف موقوفاً على شكلها وجمالها وسفورها حتى لدى بعض المؤسسات الإسلاميّة.

 

المرأة هي الضحية:

 

   إنّ هذه الثقافة التي روّجت للسفور كان لها نتائج سلبية وكانت المرأة هي الضحيّة الأولى لذلك، حيث قد تمّ تسليع المرأة وتحويلها إلى مجرد عنصر للإثارة والمتاجرة بجسدها، وإلاّ كيف نُفسِّرُ ظاهرة ملكات الجمال المنتشرة في كل بلدان العالم "المتحضر". إنّ هذه الظاهرة إذا ما وزناها بميزان العقل لوجدنا أنّها تُمثِّل أكبر إهانةٍ للمرأة وإساءةٍ إلى كرامتها، لأنّها تعني أنّ قيمة المرأة هي في جسدها ومفاتنها، لا في أخلاقها ولا لعلمها ولا لكفائتها.

 

   من هنا فإنّ دعوة الإسلام إلى الحجاب هي  قبل كل شيء  دعوة إلى حفظ كرامة المرأة واحترام إنساتيتها. إن الحجاب ليس سجناً ولا حبساً للمرأة، ولا يرمي إلى عزلها عن الحياة وعن القيام بواجبها الاجتماعي والسياسي والتربوي... إنّما يُرادُ تأكيدُ إنسانيتها من خلال الحجاب، ليتعامل معها في المجتمع باعتبارها إنساناً، بحيث تخرج إلى خارج البيت كإنسان، وتحترم كإنسان، وتنال الوظيفة بجدراتها لا بمفاتن الأنثى لديها، ولتحظى بمكانتها من خلال عقلها وكفائتها ودورها الفاعل لا بما تملكه من عناصر الإغراء في جسدها ولا بمفاتنها التي تبرز بها إلى الشارع أو السوق، أو تطلُّ بها من خلال شاشات التلفزة.

 

ما هو واجبنا؟   

 

 وفي ضوء هذا، فإنّي أعتقد أنّ من واجبنا الديني والأخلاقي الدفاع عن الحجاب باعتباره رمزاً لكرامة المرأة، أن ننتصر للحجاب بالكلمة وبالقصة وبالموقف بوسائل الإعلام، وأن نشجع المحجبات ونعزز من ثقتهن بأنفسهن وحجابهن كي لا يشعرن أنّ الحجاب بالنسبة إليهن هو عبء أو تكليف يمتثلنه دون وعي أو رغماً عن إرادتهن، وأن نكثِّف من الندوات حول فلسفة الحجاب وهدفه، وأن نكرم المحجبة، وأن نعوّد بناتنا على الحجاب منذ الصغر، وأن نعتبر أن الحجاب هو قضية إسلامية، وأنّ حماية هذا الرمز وهذا الواجب الشرعي هو من مسؤلياتنا.

 

  كيف نواجه السفور؟

 

بالإضافة إلى الجهود الفكرية التي تعمل على بيان فلسفة الحجاب وأهميته، فإنّ من الضروري في مواجهة السفور أن نركز على أمرين أساسيين:

 

1- تعزيز قيم الحياء والعفة والغيرة.

 

الغيرة: في الحديث عن الإمام الصادق (ع): "إنّ الله تبارك وتعالى غيور يحبُّ كل غيور ولغيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها" .

 

العفة: ففي الحديث عن رسول الله (ص): "خير نسائكم العفيفة" ، وعنه (ص) أيضاً: "من سعادة المرء الزوجة الصالحة" ، وعنه (ص): "فعليكم بذات الدين" .

 

  الحياء: ففي الحديث عن الصادق (ع): "لا إيمان لمن لا حياء له" ، وفي حديث آخر عن أحدهما (الباقر أو الصادق (ع)): "الحياء والإيمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه" .

 

2- تفعيل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بأن نمتدح الحجاب ونعلن رفضنا للسفور، لكن كيف وبأي أسلوب؟

 

   أعتقد أنّ الأسلوب الأجدى في زماننا هو أسلوب الرفق واللين والحكمة، وهذا الأسلوب يفرض علينا أن نكسب صداقة الناس، ونربح قلوبهم ومحبتهم، ما يعني أنّ علينا أن لا نعتبر السافرة إمرأة ساقطة ولا نُهين كرامتها، بل علينا أن نأخذ بيدها ونحاورها ونناقشها ونبيّن لها ضرورة الحجاب وأهميته ومفاسد السفور وسلبياته.

 

  إنّ المرأة التي تلتزم بكافة أحكام الإسلام وتعاليمه سوى الحجاب هي امرأة مسلمة نرجو ونسأل الله لها أن تُتمِّمَ هذا النقص في التزامها الديني، لكنّ هذا النقص لا يجعلها امرأة كافرة أو فاجرة أو لا أخلاق لها، وسفورها لا يبررُ التعرضَّ لشرفِها، فربَّما كانت منضبطة أخلاقياً، ما يجعلها أحسن من بعض المحجبات اللاتي يعشن معنى الحجاب.

 

   وبكلمة مختصرة: لا أحد يمتلك مفاتيح الجنة، ليوزع الناس يميناً وشمالاً، ونحن ضد ثقافة التخوين أو خطاب التكفير والتنفير.

 

حجاب الموضى أو "السفور المقنع" 

 

   ويبقى علينا أن نُنَبِّه إلى ظاهرة سيئة انتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية، وهي ظاهرة "السفور المقنع"، حيث تسعى بعض الفتيات إلى التخفف أو التهرّب من الحجاب، ولكن بما أنّ  الأجواء الإجتماعية لا تساعدها على إشهار السفور، أو بما أنّ أُلْفَتَها بالحجاب أو تربيتها الخاصة لا تسمح لها بالتحرر الكامل من الحجاب، فإنها تتتجّه إلى ارتداء "حجاب" هو في الحقيقة أقربُ إلى السفور منه إلى الحجاب، وربما يكون الضمير الديني عند بعض الفتيات لا يزال يقظاً إلى حدٍّ معين، فهي قد لا تحبُّ السفور ولا ترتضيه لنفسها لو خلِّيت ورغبتها، كما أنّه ليس لديها مشكلة فكريّة مع الحجاب، بل تَرَاها في كثير من الأحيان أو المحطات تُمنِّي النفسَ بارتداء الحجاب وتدعو الله أن يوفقها لذلك، لكن ضغط الواقع والتحديات والإغراءات التي تعيشها، بالإضافة إلى رفقة السوء يفرض عليها إيجاد "صيغة توافقية" أو "تصالحية" تحاول أن توائم فيها بين قناعتها والتزامها من جهة، وبين رغباتها وظروفها الخاصة من جهة أخرى، فتلجأ إلى حجاب "الموضة" الشائع في أيامنا.

 

وتعليقنا على هذه الظاهرة  نلخصه بالنقاط التالية:

 

أولاً: إنّ الحجاب ليكون إسلامياً وشرعياً فلا بدَّ أن يستر بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين وظاهر القدمين ، وأن لا يصف ما تحته، ولا يكون شفافاً، فما استجمع هذه الشرائط  فهو لباس شرعي، وبعبارة أخرى: إنّ كل لباس يحقق الستر المادي والستر المعنوي- كما كان يعبر سماحة العلامة المرجع السيد فضل الله رحمه الله- هو لباس شرعي. 

 

ثانياً: في ضوء ما شرحناه وبيّناه عن حقيقة الحجاب الإسلامي، سيبدو واضحاً أنّ حجاب الموضة لا يُعتبر حجاباً شرعياً، لأنّه لا يستجمع شروط الحجاب الشرعي، بل ربَّما شكّل تشويهاً لصورة الحجاب في نظر الآخرين، لأنّ المرأة التي ترتدي هذا النوع من الحجاب إذا لم تحمل شيئاً من أخلاقية الفتاة المحجبة، بل كانت تصرفاتها العامة أقرب إلى عدم الانضباط والاتزان، فإنها بذلك لا تسيء إلى نفسها فحسب، بل ربما أساءت إلى صورة الحجاب نفسه، وهذا الأمر ينسحب على المرأة المحجبة بحجاب شرعي، فإنّها إنْ لم تتخلّق بأخلاق الحجاب، فإنّها بذلك تسيء إلى عموم المحجبات، ولهذا فإنّنا نقول: إنّ الحجاب هو مسؤولية شرعية، وإذا أحسنت المرأة المحجبة وكانت على مستوى الحجاب باعتباره رمزاً للطهر والعفة، فإنّها بذلك تقوم بعمل رسالي وتقدِّم صورة طيبة عن نفسها وعن دينها وعن عموم النساء المحجبات.

 

 أجل قد يكون هذا النوع من الحجاب "حجاب الموضة"  مفهوماً في بعض الحالات، وذلك فيما لو كان مقدمةً تساعد على تهيئة الفتاة غير المحجبة لنفسها على الحجاب، أو تهيئتها من قبل ذويها على تقبل فكرة الحجاب.

 

ثالثاً: هل يعني ما تقدم أنّ الإسلام يرفض تطوير الحجاب وفكرة "الموضة" بشكل كامل، ويدعو إلى الجمود على حجاب معين أو لباس خاص لجهة الشكل واللون والزي؟

 

والجواب: بالنفي، لأنّ الحجاب يخضع لقاعدة: (ثبات المبادئ ومرونة الوسائل)، والمبدأ الثابت في قضيّة الحجاب هو ما حقّقَ الستر المادي والمعنوي، كما ذكرنا، وأما الوسيلة فهي ما عدا ذلك مما يتصل بالشكل أو اللون، وهذه أمور متحركة وتتغير من زمان لآخر، فليس شرطاً أن تلبس المرأة المسلمة اليوم ما كانت تلبسُه المرأة في زمن النبي (ص) فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق (ع): "خير لباس كل زمان لباس أهله" ، حتى أنه ليس من الضروري أن ترتدي البنت نفس الزي الذي ترتديه أمّها، يقول الإمام علي (ع) فيما روي عنه: "لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" .

 

الحجاب والأزياء 

 

   وموضوع الأزياء محكوم - أيضاً- للقاعدة المتقدمة نفسها (ثبات المبادئ ومرونة الوسائل)، لكن لديَّ بعض الملاحظات النقديّة في هذا المجال:

 

1- إنّ شرعيّة الحجاب لا علاقة لها بالتسميات فهناك أزياءً غير شرعية بتسميات شرعية، ولذا علينا أن لا نقع أسرى المصطلحات والتسميات اللفظية.  

 

2- إنّ المسيطر على قضية الأزياء ومصممي الأزياء هو العقل الاستهلاكي الذي يستنزف أموال الناس، بحيث إنّ المرأة لا تكاد ترتدي الثوب مرة أو مرتين حتى تتخلى عنه لصالح الموضة الجديدة، وهذا إسراف بيّن وتسليع للمرأة..

 

3- في غمرة الفوضى في عالم الأزياء التي تصل إلى حد الجنون وفي ظلّ عولمة الأزياء، تضيع الأزياء الشعبيّة التي تختصّ بكل أمة من الأمم، وهذه قد تشكِّل سلبيّة مغيبة، لأنّها تؤدي إلى تخلي الجيل الجديد عن تراثه وانقطاعه عنه.

 

 ماذا عن اللون؟

 

   والإسلام -  فيما يبدو -  لم يُدع إلى اعتماد لون خاص في لباس المرأة، فليس شرطاً أن يكون لباسها أسوداً أو قاتماً، فيجوز لها ارتداء الألوان التي ترغب بها وتحبها، شريطة أن لا تكون – هذه اللألوان - عنواناً للإثارة، فيطمع الذي في قلبه مرض، وفيما عدا ذلك فلا محذور في أن ترتدي المرأةُ المسلمةُ اللونَ الأبيض الهادئ مثلاً، كما ترتدي الأبيض وهي في عبادة الحج، وهكذا سائر الألوان .

 

والشواهد التاريخية تشير إلى أنَّ الأسود لم يكن هو اللون الرسمي في عهد النبي (ص)، بل لدينا شواهد تؤكد  أن النساء كُنَّ يرتدين اللباس غير الأسود في كثير من الحالات.
 

 






 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon