حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
تكريم الإنسان
 
س » كيف نفسر الروايات التي تدعونا إلى اعتزال الناس؟
ج »

المستفاد من مجموع النصوص القرآنية والروائية كراهية الاعتزال والابتعاد عن الناس – من حيث المبدأ – لأن الإنسان بحاجة للناس وهم بحاجة إليه. ويزداد حرص الإسلام على هذه العلاقة الاجتماعية التواصولية عندما تكون ذات غرض دعوي رسالي أو فيها صلة أرحام.

وبالاعتبار عينه، أي الاعتبار الرسالي، قد يدعونا الإسلام إلى التقليل من التواصل مع الآخرين، إما كموقف احتجاجي إنكاراً لمنكر هم عليه، أو لأن العلاقة معهم قد تؤدي إلى تأثر الإنسان بأخلاقهم السيئة بدل أن يؤثر هو فيهم.

ومن هنا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يدقق في اختيار أصدقائه وخلّانه بحيث يكونون من أهل الصلاح والخير لأن الصديق الطيّب هو  كالطيب إذا مرّ به الإنسان حمل منه طيباً، والصديق السيئ كالريح النتن إذا مرّ به الإنسان حمل منه نتناً كما جاء في بعض الأخبار، والله الموفق.

 


 
س » ابني المراهق يعاني من التشتت، وأنا جدا قلق ولا اعرف التصرف معه، ما هي نصيحتكم؟
ج »

التشتت في الانتباه في سن المراهقة مع ما يرافقه من الصعوبات هو في حدود معينة أمر طبيعي وظاهرة تصيب الكثير من المراهقين ولا سيما في عصرنا هذا.

وعلينا التعامل مع هذه المرحلة بدقة متناهية من الاستيعاب والتفهم والإرشاد والتوجيه وتفهم سن المراهق، وأن هذه المرحلة تحتاج إلى أسلوب مختلف عما سبقها.

فالمراهق ينمو لديه الإحساس بالذات كثيرا حتى ليخيل إليه أنه لم يعد بحاجة إلى الاحتضان والرعاية من قِبل والديه.

وبالتالي علينا أن نتعامل معه بأسلوب المصادقة "صادقه سبعا.." والتنبه جيدا للمؤثرات التي تسهم في التأثير على شخصيته واستقامته وتدينه، ومن هذه المؤثرات: الأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن نصيبها ودورها في التأثير على المراهق هو أشد وأعلى من دورنا.

وفي كل هذه المرحلة علينا أن نتحلى بالصبر والأناة والتحمل، وأن نبتدع أسلوب الحوار والموعظة الحسنة والتدرج في العمل التربوي والرسالي.

نسأل الله أن يوفقكم وأن يقر أعينكم بولدكم وأن يفتح له سبيل الهداية. والله الموفق.


 
س » كيف نفهم الروايات التي تميز بين ذرية النبي (ص) وغيرهم من المسلمين؟
ج »
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ما يسعني في هذه العجالة أن أقوله: إن هذا الأمر لا ينطلق من وجود تمييز تكويني أو تشريعي لذرية النبي (ص) بحيث يقتضي ذلك تغايراً في تكليفهم عن تكليف الناس، فهم في خصائصهم يتساوون مع الآخرين كما أن الشريعة ساوت بينهم وبين الآخرين؛ وقد أوضحنا ذلك في بحث: "ذرية الرسول (ص) – الخيط الرفيع بين المحبة والطبقية" من كتاب "تحت المجهر".
وأما ما أشرتم إليه بوجود بعض الروايات التي تنص على مضاعفة الثواب في حال الطاعة ومضاعفة العقاب في حال المعصية. فهذا نظير ما جاء في القرآن الكريم في نساء النبي:
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (الأحزاب: 30-31)
ومضاعفة العقاب منطلقة من أن الإساءة منهم تجر السمعة السيئة إلى رسول الله (ص) أو تثير الريبة أو تجرّئ الآخرين على استسهال المعصية لأنه إذا كانت ذرية النبي (ص) غير مبالية فما لنا نحن نكون ملكيين أكثر من الملك.
أما مضاعفة الثواب، فهي لأنهم يجرون السمعة الحسنة والذكر الطيب لرسول الله (ص)، وقد ورد عن الأئمة من أهل البيت (ع) تعميم هذا المعنى إلى شيعتهم، فقد ورد:  "إن الحسن من كل أحد حسن و إنه منك أحسن لمكانك منا ، و إن القبيح من كل أحد قبيح وهو منك أقبح لمكانك منا"

 
 
  حوار
س » ما قصة الملك فطرس الذي عصى أمر الله تعالى، فقص الله جناحه ورماه في جزيرة من جزر البحر، وظلّ مرمياً فيها إلى أن ولد الحسين (ع) فجاء جبرائيل ليبشّر النبي (ص) بولادته، فتوسل إليه فطرس أن يحمله معه، فحمله، فتمسح فطرس بمهد الحسين فشفي وعاد إلى الملأ الأعلى؟
ج »

والإجابة على ذلك من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: بالنسبة لمصدر الرواية، فقد وردت في عدّة مصادر حديثيّة[1]، مع شيء من الاختلاف، وفي العموم فمصادرها لا تحسب من مصادر الدرجة الأولى، ونحن ننقلها من مصدرين:

الأول: ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر بسنده، عن أبي عبد الله (ع)  قال : وذكره غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله (ع): «أنّ فطرسَ ملك كان يطيف بالعرش، فتلكّأ في شيء من أمر الله، فقصّ جناحه ورمى به على جزيرة من جزائر البحر. فلمّا ولد الحسين (ع)  هبط جبرئيل (ع)  إلى رسول الله (ص)  يهنيه بولادة الحسين (ع)  فمّر به، فعاذ بجبرئيل (ع) ، قال: قد بعثت إلى محمد أهنّيه بمولود ولد له، فإن شئت حملتك إليه، فقال: قد شئت، فحمله فوضعه بين يدي رسول الله (ص)  وبصبص بإصبعه إليه، فقال رسول الله (ص): امسحْ جناحك بالحسين، فمسح جناحه بحسين (ع)  فعرج»[2].

الثاني: ما رواه في بصائر الدرجات «بإسناده عن الأزهر البطيخي عن أبي عبد الله (ع)  قال: إن الله عرض ولاية أمير المؤمنين فقبلها الملائكة وأباها ملك، يقال له فطرس فكسر الله جناحه، فلمّا ولد الحسين بن علي (ع)  بعث الله جبرئيل في سبعين ألف ملك إلى محمد (ص)  يهنئهم بولادته فمر بفطرس فقال له فطرس: يا جبرئيل إلى أين تذهب؟ قال: بعثني الله إلى محمد يهنئهم بمولود ولد في هذه الليلة فقال له فطرس: احملني معك وسلْ محمداً يدعو لي فقال له جبرئيل: اركبْ جناحي، فركب جناحه، فأتى محمدا (ص)  فدخل عليه وهنّأه فقال له: يا رسول الله (ص) إن فطرس بيني وبينه أخوة وسألني أن أسألك أن تدعو الله له أن يردّ عليه جناحه، فقال رسول الله (ص)  لفطرس: أتفعل؟ قال: نعم، فعرض عليه رسول الله (ص)  ولاية أمير المؤمنين (ع)  فقبلها، فقال رسول الله (ص)  شأنك بالمهد فتمسّح به وتمرّغ فيه، قال: فمضى فطرس فمشى إلى مهد الحسين بن علي ورسول الله يدعو له قال: قال رسول الله: فنظرت إلى ريشه وإنه ليطلع ويجري منه الدم ويطول حتى لحق بجناحه الآخر وعرج مع جبرئيل إلى السماء وصار إلى موضعه»[3].

والرواية من حيث السند غير معتبرة[4].

الوقفة الثانية: ملاحظة متن الروايات، وما فيه من اختلاف حول سبب تمرد فطرس، وفي أمور أخرى، ففي حين أجمعت الروايات حول هوية فطرس وأنّه ملك من الملائكة، فإنها اختلفت في المهمّة المناطة به، فيذكر بعضها أنه كان «من الحملة» بينما يذكر بعضها الآخر أنّه كان يطيف بالعرش، واحتمال وحدة المهمتين وارد، فالطواف بالعرش هو تعبير آخر عن كونه من الحملة، وفي حين أجملت بعض المصادر سبب تمرد فطرس فجاء التعبير فيها أنّه «بعث في شيء فأبطأ فيه»[5]، أو «فتلكّأ في شيء من أمر الله»[6]، وتختلف الروايات حول المدّة التي قضاها فطرس في تلك الجزيرة في عبادة الله قبل أن يمرّ عليه جبريل، ففي حين تذكر بعضها أنها «ستمائة عام»[7] وفي أخرى أنه عبده مدة « سبعمائة عام»[8]، ومن موارد الاختلاف أيضاً ما نجده في عدد الملائكة الذين اصطحبهم جبريل معه لتهنئة النبي (ص)  بولادة الحسين (ع) ، ففي بعض الروايات أنّ عددهم كان ألفاً[9]، بينما أنهتهم رواية البصائر إلى سبعمائة ألف.

الوقفة الثالثة: وبالإضافة إلى ضعفها سنداً فإنّ الرواية من ناحية المضمون لا تصح ولا يمكننا الوثوق بها، لأنّها تشتمل على ما ينافي العقيدة الإسلامية، حيث إنّها تفترض أنّ هذا الملك وهو المسمى بـ «فطرس» قد طلب منه الله تعالى الإيمان بولاية أمير المؤمنين (ع)  أو طلب إليه تنفيذ مهمّة معينة، لكنه أبى الإقرار بالولاية أو أبى تنفيذ المهمّة، وهذا معناه أنّه قد تمرّد على الله تعالى وعصاه، وهذا ينافي عقيدة المسلمين في أنّ الملائكة معصومون عن الخطأ، ولا يخالفون أمر الله تعالى ولا نهيه، وهي عقيدة مستمدة من قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم: 6]، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإنّ ثمّة تساؤلاً يطرح في البين: هل أنّ لعلي وسائر أئمة البيت (ع) ولاية على الملائكة حتى تعرض عليهم؟! وما الدليل على ذلك؟ وهل الملائكة مأمورون بإطاعة علي (ع)  وتنفيذ أوامره؟ وبماذا يأمرهم يا ترى؟! وافتراض أن الولاية تمتد إلى الملائكة يعني أن النبوّة كذلك لأن الإمامة فرع النبوّة، ومعلوم أنّ نبينا محمد (ص) لم يدل دليل على أنّ له ولاية على جبريل أو غيره من الملائكة، ولذا كان يتأخر عنه جبريل أحياناً حتى يضيق صدره بذلك، كما في قضية تغيير القبلة وما جاء في أسباب نزول سورة « الضحى» فلو كان له ولاية عليه لاستدعاه إليه وأمره بعدم التأخر مرة أخرى!

وما السِّر في تمرّد هذا الملك أمر الله تعالى؟

والسؤال الآخر أنّ ولاية أمير المؤمنين (ع)  إنما عرضت على الناس في يوم الغدير وهذا في السنة الأخيرة من حياة رسول الله (ص)  وحينها لم يكن الحسين (ع)  في المهد، بل كان له عدّة سنوات، فهل عرضت ولاية علي (ع)  على الملائكة قبل أن تعرض على الناس.

ومما يثير الريبة في الرواية بحسب نقل «بصائر الدرجات» تصويرها للملائكة بأنّهم من لحم ودم، وأنّ أجنحتهم من الريش، فقد نقل فيها عن رسوله الله (ص)  قوله: «فنظرت إلى ريشه وإنه ليطلع ويجرى منه الدم ويطول حتى لحق بجناحه الآخر». فهل جناح الملائكة كجناح الطيور مكوّن من ريش؟! وهل إنّ جسد الملائكة مكوّن من لحم ودم فتكون كالإنسان أو الحيوان، بينما هم مخلوقات مختلفة عن جنس الإنسان وتكوينه؟! 

على أنّ إثبات ولاية الإمام علي (ع)  على الملائكة هو أمر لا يمكن إثباته بأخبار الآحاد لو كانت صحيحة فكيف لو كانت ضعيفة السند!

ونظير هذه الرواية من هذه الجهة رواية أخرى تتحدث عن ملك اسمه دردائيل.



[1]           فبالإضافة إلى مستطرفات السرائر، والبصائر، فقد رواها ابن قولويه في كامل الزيارات ص 140 وكذلك الصدوق في الأمالي ص 200. واختيار معرفة الرجال للكشي ج 2 ص 850.  ودلائل الإمامة للطبري ص 190، ثم تردد صداها بعد ذلك في الكتب المتأخرة، ووجدنا الأشارة إليها في المصباح للشيخ الطوسي ص 827.

 

[2]           السرائر ص 580.

 

[3]           بصائر الدرجات ص 88.

 

[4]           ففي متطرفات السرائر وردت مرسلة، وفي البصائر فإنّ في سندها عدد من المجاهيل الذين لم نجد لهم ترجمة في كتب الرجال، من قبيل «الأزهر البطيخي» الذي لم يرد اسمه إلا في هذه الرواية، فهو مجهول،. وفي كامل الزيارة اشتمل السند على موسى بن سعدان الحناط،  وهو «ضعيف في الحديث»، كما يقول النجاشي في رجاله ص 404 وفي رجال الكشي، حدّث بالقصة محمد بن سنان من دون أن ينقلها عن أحدٍ من الأئمة R. وأما رواية الأمالي ففي سندها عبد الله بن صباح المزني وهو مجهول، وفي السند أيضاً إبراهيم بن شعيب المزني، ويحتمل كونه شعيب بن صالح المذكور في رجال الكشي، ويظهر أنّه كان من أصحاب الصادق والكاظم والرضا R، وكان واقفياً وفي كل الأحوال فلم تثبت وثاقته، انظر: مجمع الرجال للقهبائي ج 1 ص 48.. 

 

[5]           كامل الزيارة ص140.

 

[6]           كما مرّ في رواية مستطرفات السرائر. ونحوه ما في أمالي الصدوق.

 

[7]           كما في كامل الزيارة.

 

[8]           كما في أمالي الصدوق.

 

[9]           كما في رواية كامل الزيارة، والأمالي.

 

 


 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon