السعادة والشقاء بالولادة أم بالإرادة؟
ومعناه، وإنه لأمرٌ قبيح أن يعاقب الله سبحانه شخصاً أو يثيب آخر على ما ليس في اختيارهما، فهذا يتنافى وعدله وحكمته ولطفه، وقد ثبت بالدليل القاطع تنزهه عن ارتكاب القبيح وظلم العباد، وأنه لا يجبر عبداً على طاعة أو يقسره على معصية وإلاّ لبطل
الثواب والعقاب، كما قال علي(ع)، وذلك عندما سأله أحدهم: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر؟ ولمّا أجابه (ع) بالإيجاب علّق الرجل قائلاً: إذن عند الله أحتسب عنائي فقال(ع):" ويحك لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطل
الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد، وإنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلف عسيراً وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً ولم يطع مكرها ولم يرسل الأنبياء لعباً ولم ينزل الكتب عبثاً ولا خلق السماوات والأرض وما
بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار"(نهج البلاغة)، إذن، فالإنسان يساهم في صنع مستقبله بإرادته، ويهيئ جنته أو نيرانه بيده، ويُعدّ رفقته وصحبه في النعيم أو الجحيم باختياره.
إلى رفض كل الأفكار والمعتقدات التي تفترض أن الشر والخير طبيعة في الإنسان، وأن السعادة والشقاء ذاتيان له، ولا دور لإرادته في صنع الأحداث وتغيير المقدور، وأن مصيره الأخروي مكتوب عليه قبل ولادته وليس بمستطاعه تغييره أو تبديله، إن هذه
الأفكار المنتشرة لدى الكثيرين من أتباع الديانات وغيرهم هي أفكار مرفوضة، لمنافاتها لكل من الوجدان والبرهان والقرآن، فالوجدان خير شاهد على حرية الإنسان في تحديد المسارات المختلفة، دونما إلجاء وقسر له على ذلك من داخل النفس أو خارجها،
والبرهان ـ هو الآخر ـ حاكم بما شهد به الوجدان من حرية الإنسان، وإلا لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد ولفقدت الرسالات معناها، وأمّا القرآن فهو أيضاً صريح في العديد من آياته بأن الله سبحانه خلق الإنسان وجعله على مسافة واحدة من الخير والشر،
ولم يجبره على هذا أو ذاك، وإنما عرّفه الخير وأمره باتباعه، وعرّفه الشر وأمره باجتنابه، فلو فعل الخير أو ارتكب الشر فبإرادته وإختياره، قال تعالى:{إنا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإما كفوراً}(الإنسان:3)، وقال:{وهديناه النجدين}(البلد:10).
مما لا ينسجم والمبدأ المذكور، فعلى سبيل المثال: نقرأ في مزامير داوود من العهد القديم قول داوود: "ها أنا ذا بالإثم صُوِّرت، وبالخطية حبلت بي أمي"(المزمور:51)، ونقرأ في المزامير عينها: "زاغ الأشرار من الرّحم، ضلوا من البطن"(المزمور:85)،
نصت عليه بعض الروايات ـ فبها، وإلاّ تعين التوقف بشأنها وردّ علمها إلى أهلها إن لم يكن رفضها، لأن معنى أن يرث الإنسان الخطيئة بالولادة وأن تكون سعادته وشقاوته ذاتيتين أنه يعاقب أو يثاب يوم القيامة على ما ليس في اختياره ولا دخل له في صنعه،
تفسير قوله تعالى:{قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} قال: بأعمالهم شقوا"(التوحيد للصدوق356).
الطينة التي خلق منها الأنبياء والأئمة(ع) وشيعتهم تختلف عن الطينة التي خلق منها الكافرون والفاسقون وناصبو العداء لأهل البيت(ع)، فطينة الصنف الأول مأخوذة من عليين أو من أرض طيبة أو من الماء العذب، بينما طينة الصنف الثاني هي من سجّين أو
من أرض خبيثة وسبخة وماء أجاج أو من طينة خبال من حمأ مسنون (راجع بحار الأنوارج5، ص:225 وما بعدها).
فريقين: الفريق الأول: بادر إلى طرحها وردّها، لعدم انسجامها مع قواعد العدلية وذلك باعتبار أن "ظاهرها أن كل أحد من الناس ـ باقتضاء طينته التي خلق منها ـ موجّه إلى غاية معينة من السعادة أو الشقاء لا محيد له منها، وهذا يعني الجبر، ونفي الاختيار
وهو خلاف العدل واللطف اللذين نطقت بهما البراهين وقام عليهما المذهب" هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن "ظاهرها أو ظاهر بعضها على الأقل أن كل أحد ـ منذ ابتداء خلقته ـ مُتّخِذٌ سبيله الذي لا مهرب منه، وأن الناس بتبع ذلك ـ منذ ابتداء نشأتهم ـ على
قسمين: مهتد وضال، وهو خلاف أدلة ولادة الناس على التوحيد والفطرة وأن الانحراف يأتي بعد ذلك من التربية والتلقين"(بين السائل والفقيه للشيخ محمد أمين زين الدين ص:34).
منها إلى التأويل، وربما يكون أقرب الوجوه إلى الصحة وأسلمها من النقد ما ذكره بعض العلماء ـ وإن لم يتبناه ـ من "أن مضامين أحاديث الطينة معانٍ كنائية وهي تعبير عن اختلاف الناس في استعدادهم لقبول الحق أو رفضه واتباع الهوى أو اجتنابه، وهذا
أمر لا ريب فيه، فبعض الناس قريب من الحق في تصوّره وفي سلوكه، عصي القياد على المؤثرات أن تقوده أو تنحرف به، وبعض الناس على الضد من ذلك، وبعضهم متوسطون بين بين، على درجات مختلفة أو متقاربة، وواضح أن هذا الاختلاف بين الناس
في الاستعداد لا يوجب جبراً ولا يسلب اختياراً ولا يسقط التكليف عن الإنسان مهما كان استعداده ومهما كان قربه من الحق أو بعده عنه"(بين السائل والفقيه36).
وافتراض رمزيتها، وإلاّ لو بني على التمسك بحرفية الروايات والجمود على ظاهرها لواجهتنا الكثير من الصعوبات والإشكالات، ليس لجهة منافاتها لأحكام العقل ـ كما سلف ـ فحسب، بل ولمنافاتها أيضاً لنصّ الكتاب الذي يؤكد ـ وخلافاً لتلك الروايات ـ أن آدم
فقط هو المخلوق من الطين، وأمّا ذريته فهم مخلقون من ماء مهين، قال تعالى {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين}(السجدة:7-8)، ويشهد لرمزيتها ـ أيضاً ـ ما جاء في بعضها من أن طينة النبيين
والمؤمنين هي من عليين، وطينة الكافرين هي من سجّين، فإن من المعلوم أن عليين وسجين هما كتابان، والأول هو كتاب الأبرار، والثاني هو كتاب الفجار، كما يصرّح القرآن الكريم، وليست عليين أو سجين من جنس الطين في شيء. إنّ هذا إنْ دلّ على شيء
فإنما يدل على المضمون الرمزي لتلك الأحاديث.
من كتاب "هل الجنة للمسلمين وحدهم؟"
A PHP Error was encountered
Severity: Notice
Message: Undefined index: embedfile
Filename: article/add.php
Line Number: 93